سياسة

من الخيام الانتخابية إلى منصات التواصل.. الرقمنة تغيّر قواعد اللعبة الانتخابية

لم‭ ‬تعد‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭. ‬فإلى‭ ‬جانب‭ ‬الخيام‭ ‬التقليدية،‭ ‬والجولات‭ ‬الميدانية،‭ ‬واللقاءات‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬الناخبين،‭ ‬دخلت‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بقوّة‭ ‬إلى‭ ‬المشهد،‭ ‬بعدما‭ ‬تحولَّت‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬موازٍ‭ ‬للتواصل‭ ‬السياسي،‭ ‬وعرض‭ ‬البرامج،‭ ‬وتقديم‭ ‬المرشحين،‭ ‬ومحاولة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الناخبين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الشباب‭.‬

في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية،‭ ‬أصبحت‭ ‬الهواتف‭ ‬المحمولة‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬من‭ ‬الحملة‭. ‬صورة‭ ‬لمرشح‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأحياء،‭ ‬أو‭ ‬مقطع‭ ‬فيديو‭ ‬قصير‭ ‬يتضمَّن‭ ‬تصريحًا‭ ‬انتخابيًّا،‭ ‬أو‭ ‬بث‭ ‬مباشر‭ ‬من‭ ‬لقاء‭ ‬تواصلي،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المستخدمين،‭ ‬متجاوزًا‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الحملة‭ ‬التقليدية‭.‬

وتمنح‭ ‬الرقمنة‭ ‬للمرشح‭ ‬إمكانية‭ ‬التواصل‭ ‬المباشر‭ ‬والسريع‭ ‬مع‭ ‬الناخبين،‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬لقاءات‭ ‬ميدانية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حي‭. ‬كما‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بتقديم‭ ‬برنامجه‭ ‬الانتخابي‭ ‬بشكل‭ ‬متدرج‭ ‬ومختصر،‭ ‬والردّ‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬التعليقات،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الفيديوهات‭ ‬القصيرة‭ ‬والرسوم‭ ‬التوضيحية‭ ‬والإنفوغرافيك‭ ‬لجعل‭ ‬الرسائل‭ ‬الانتخابية‭ ‬أكثر‭ ‬قابليةً‭ ‬للاستهلاك‭ ‬والمشاركة‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬إيجابيات‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬أيضًا‭ ‬انخفاض‭ ‬كلفة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور؛‭ ‬مُقارنةً‭ ‬ببعض‭ ‬أشكال‭ ‬الحملات‭ ‬الميدانية،‭ ‬وإمكانية‭ ‬استهداف‭ ‬فئات‭ ‬عمرية‭ ‬ومجالية‭ ‬محددة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬سرعة‭ ‬انتشار‭ ‬الرسائل‭ ‬وإمكانية‭ ‬قياس‭ ‬التفاعل‭ ‬معها؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المشاهدات‭ ‬والتعليقات‭ ‬والمشاركات‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الوجه‭ ‬الرقمي‭ ‬للحملة‭ ‬يحمل‭ “‬في‭ ‬المقابل‭” ‬مجموعةً‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭. ‬فسرعة‭ ‬انتشار‭ ‬المعلومة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬المرشح‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التواصل،‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬الأخبار‭ ‬الزائفة‭ ‬والادّعاءات‭ ‬غير‭ ‬الموثقة‭ ‬تنتشر‭ ‬بالسرعة‭ ‬ذاتها؛‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬اختزال‭ ‬البرامج‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬مقاطع‭ ‬قصيرة‭ ‬وشعارات‭ ‬قابلة‭ ‬للمشاركة‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬أحيانًا‭ ‬نحو‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬والانطباع‭ ‬بدل‭ ‬النقاش‭ ‬التفصيلي‭ ‬بشأن‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭.‬

وتطرح‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬كذلك‭ ‬مشكلة‭ ‬‮«‬فقاعات‭ ‬التفاعل‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬المرشح‭ ‬نفسه‭ ‬محاطًا‭ ‬بمستخدمين‭ ‬يتقاسمون‭ ‬المواقف‭ ‬نفسها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يصعب‭ ‬عليه‭ ‬معرفة‭ ‬حقيقة‭ ‬توجهات‭ ‬فئات‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬صفحته‭ ‬أو‭ ‬منشوراته‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬حجم‭ ‬المشاهدات‭ ‬أو‭ ‬الإعجابات‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحوّلًا‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬أو‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الاقتراع‭.‬

ورغم‭ ‬صعود‭ ‬الرقمنة،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الخيام‭ ‬الانتخابية‭ ‬واللقاءات‭ ‬المباشرة‭ ‬فقدت‭ ‬دورها‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة؛‭ ‬فاللقاء‭ ‬الميداني‭ ‬يسمح‭ ‬للمرشح‭ ‬بالاستماع‭ ‬المباشر‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين،‭ ‬ومعاينة‭ ‬مشكلات‭ ‬الأحياء،‭ ‬وبناء‭ ‬تواصل‭ ‬شخصي‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬أن‭ ‬تعوضه‭ ‬بالكامل،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنَّ‭ ‬بعض‭ ‬الناخبين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يفضلون‭ ‬النقاش‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬الرسائل‭ ‬الرقمية‭.‬

وبذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬الحالية‭ ‬أمام‭ ‬نموذجٍ‭ ‬مزدوجٍ‭: ‬فضاء‭ ‬ميداني‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬والاحتكاك‭ ‬المباشر،‭ ‬وفضاء‭ ‬رقمي‭ ‬أساسه‭ ‬السرعة‭ ‬والانتشار‭ ‬والتفاعل‭.‬

وبينما‭ ‬تمنح‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬للمرشحين‭ ‬أدواتٍ‭ ‬جديدةً‭ ‬للتواصل،‭ ‬يبقى‭ ‬التحدّي‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬الافتراضي‭ ‬إلى‭ ‬نقاش‭ ‬سياسي‭ ‬فعلي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحوّل‭ ‬الحملة‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬سباق‭ ‬على‭ ‬المشاهدات‭ ‬والصور‭ ‬والمنشورات‭ ‬الأكثر‭ ‬انتشارًا‭.‬

Exit mobile version