سياسة
ممتطيًا المطالب الاجتماعية.. حزب العدالة والتنمية بطنجة يبدأ حـملة انـتخابـية مبكـرة مسـتـعينًا بـخـطاب متـنـاقـض

وجد حزب العدالة والتنمية، في الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة، منصةً مُناسبةً لبدء التسخينات السياسيَّة، بعدما لعبت الأقدار لصالحه، نتيجة تزامنها مع بقاء سنة واحدة على موقع الانتخابات التشريعية المُقرّرة سنة 2026، وهو أمر يمكن أن يلاحظ في مدينة طنجة أيضًا، الَّتِي بدأت فيها قيادات حزب «المصباح» استحضار خطابات الحملة الانتخابية.
في هذا السياق، برز بوضوح مع خرجات وتصريحات أسماء مثل محمد أمحجور وأحمد بروحو، وكليهما مرشح في لائحة حزب العدالة والتنمية للانتخابات التشريعية لسنة 2021، لكن لم يتمكن أيُّ منهما من الحصول على مقعد برلماني، غير أنَّهما -الآن- يحاولان الرجوع إلى واجهة الأحداث؛ من خلال التركيز على الشأن المحلي، بخطابات لا تخلو من تناقضات.
أمـحـجــور: عـودة بعـد اختفـاء
العد العكسي للانتخابات، أعاد إلى الواجهة محمد أمحجور، النائب الأول لعمدة طنجة في المُدّة الانتدابية السابقة، الَّتِي كان فيها حزب العدالة والتنمية صاحب الأغلبية المطلقة في المجلس الجماعي، وعلى مستوى جميع المقاطعات الأربعة، قبل أن تحدث صدمة انتخابات 2021، الَّتِي أفرزت بالكاد 8 مقاعد لفائدة حزب المصباح داخل المجلس الجماعي، وهو أمر ما زال تأثيره واضحًا على أمحجور، الَّذِي يبدو أنه لم يستطع تجاوز صدمة خسارته مقعدًا في مجلس النوّاب كان يعتقد أنَّه مضمونٌ.
أمحجور اختار الابتعاد عن الأنظار لمُدّة طويلة، ولم يبدأ في تسجيل حضوره إلا قبل أشهر، وهو ما يُستنتج منه أن الأمر يتعلق برغبة دفينة في مراودة حلم الحصول على مقعد برلماني في 2026، وربَّما أيضا العودة إلى الشأن العام المحلي من بوابة الانتخابات الجماعية والجهوية بعد ذلك بعام واحد، غير أنَّ الرأي العام بمدينة طنجة ما زال يختزن في ذاكرته العديد من المحطات الَّتِي كان «نائب العمدة» السابق بطلها، الَّتِي كانت نتيجتها عدم قدرته على الحصول على ما يكفي من الأصوات للمنافسة على مقعدٍ واحدٍ من بين 5 مقاعد كاملة يُجرى التنافس عليها في الدائرة الانتخابية طنجة-أصيلة.
آخر ظهور لأمحجور، كان عبر «الفيسبوك» والمنابر الإعلامية المُقرّبة من حزب العدالة والتنمية، إذ اختار أن يهاجم رئيس المجلس الجماعي الحالي لمدينة طنجة، منير ليموري، وفريق عمله، لكن الرجل وقع في عددٍ من المفارقات الَّذِي جعلت من تابعوا تصريحاته يتساءلون عن منطق «الكيل بمكيالين» الَّذِي يحترفه رجل -يفترض أنه خبر جيّدًا عمل الجماعة- إلى جانب التعامي عمَّا تحقَّق خلال ثلثي الولاية الراهنة من عمر المجلس، أمام أغلبية وجدت نفسها مطالبة بالتعامل مع إرث الماضي الثقيل.
على سبيل المثال، يستغرب أمحجور أن يكون مستشار عمدة طنجة، هو الشخص الَّذِي جرى تكليفه بتقديم عرض بمقر الجماعة بخصوص الميزانية التشاركية، على الرغم من أن الأمر كان مفتوحا أمام تفاعل جميع المستشارين، وبطبيعة الحال، فإنَّ الأمر كله في نهاية المطاف عبارة عن تقسيم للمهام الإدارية والتقنية داخل الفريق نفسه، غير أنَّ ذلك لم يُعجب النائب السابق للعمدة، الَّذِي لم يكن أساسًا طرفًا في النقاش، بحكم أنه خارج المجلس منذ أكثر من 4 سنوات.
لكن المفارقة، هي أن أمحجور قدَّم نفسه -رفقة حزبه- بوصفه نموذجًا يفترض أنَّه «مضادٌ»، قائلًا: «أذكر أنني خلال الولاية الانتدابية السابقة، وجدت عرفًا ترسَّخ بمجلس مدينة طنجة، وهو تقديم مشروع الميزانية من قبل رئيس قسم تنمية الموارد المالية، ورغم كفاءة هذا الأخير وتقبل أعضاء المجلس لذلك، فقد قلت له وللجميع إن الميزانية وثيقة سياسية تقتضي أن يتحمَّل مسؤوليتها المنتخب لا الموظف الجماعي، ومنذ أول سنة إلى آخرها من عمر المجلس السابق، كان العرض والمناقشة والردود، كل ذلك يتَّخذه رئيس المجلس أو نائبه المكلف، ولم يكن الموظف يتدخَّل إلا بإذنٍ من المسؤول المنتخب، إذا اقتضى النقاش تقديم بيانات أو توضيحات تفصيليَّة، وكان هذا هو الأصل الجاري به العمل حين تقديم مختلف المقررات الجماعية».
بمعنى آخر، فبالنسبة للسيد أمحجور، فإنَّ أدوار المستشارين والموظفين وجميع الأطر ذات الاختصاص في الجماعة، يجب أن تتوارى عن الأنظار، لتترك الأضواء للفاعل السياسي، أو بالأحرى الفاعل الحزبي، ولا يُستنجدُ بها إلا عندما يقع الرئيس أو نوابه في ورطة، وهو أمر يدعو حقيقة إلى الاستغراب، لأنَّ مناقشة الميزانية بكل تفاصيلها داخل اللجان، لا يلغي مناقشتها داخل الدورة بين الرئيس والمستشارين من أغلبية ومعارضة.
وقد لا تكون ذاكرة السيد أمحجور تُسعفه لتذكر كيف كانت تمر الدورات في زمن الأغلبية المطلقة لحزب العدالة والتنمية، حين كان رئيس المجلس حينها، محمد البشير العبدلاوي، يترصّد أي سبب لرفعها والإعلان عن معاودة عقدها في جلسة مُغلقة، يُمنع على الصحافيين وممثلي جمعيات المجتمع المدني ومؤسسات الحكامة وسائر المواطنين حضورها، بل إنَّ أحزاب المعارضة نفسها كانت تغيب عن تلك المناقشات احتجاجًا على هذا النهج؛ لأنَّ الشأن العام تحوَّل إلى «مداولة حزبية» بشكل يُرسّخ استبداد الأغلبية، بعيدًا عن أي منطق تشاركي، وأيضًا عن أعين الرقابة السياسية والإعلامية والمجتمعية.
أمحجور، الَّذِي لا يترك الفرصة تمر دون أن يبدي تشكيكًا في نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021، الَّتِي تكبد فيها حزب «المصباح» هزيمة قاسية، قرر أيضا أن يستهزئ باعتراف دولي انتزعته مدينة طنجة خارج حدود المملكة، وذلك عندما توجت بجائزة The Open Gov Challenge، مستكثرًا حضور عمدة طنجة في حفل التتويج، إذ اعتبر أنَّه كان يجب عليه الاكتفاء ببعث «أحد مستشاريه»، متناسيًا أن الأمر يتعلق بنجاح لم يتحقّق نهائيًّا في عهد تجربة «العدالة والتنمية».
ويبدو أن تجربة السيد أمحجور الداخلية والخارجية، لم تُسعفه في فهم قيمة الحدث، الَّذِي حضره عاهل مملكة إسبانيا الملك فيليبي السادس، حيث جرى تتويج جماعة طنجة عن فئة أفريقيا والشرق الأوسط، وذلك بفضل مشروعها المهيكل «طنجة الكبرى: الميزانية التشاركية»، وحضر الحفل أيضًا عددٌ من كبار المسؤولين الحكوميين الإسبان، وممثلو المنظمات الدولية والإقليمية، وشخصيات بارزة في مجالات الحكامة والتنمية الترابية، وحظي المتوّجون باستقبال ملكي تهنئة لهم على مبادراتهم في مجال الحكامة المنفتحة، ما يعني أن مثل هذه الأحداث لها ترتيبات وبروتوكولات ترتبط بسمعة المدينة ومؤسساتها، بل تتجاوزها إلى سمعة المملكة ككل.
بــروحـو.. الشـيء ونقــيضه
الحملة الانتخابية السابقة لأوانها، الَّتِي انخرط فيها حزب العدالة والتنمية، وجدت في الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة الَّتِي شهدتها عدة مناطق بالمملكة، مطيةً للضمان العودة إلى الواجهة، وهو يتأكد من خلال مداخلة أحمد بروحو، رئيس فريق الحزب داخل المجلس الجماعي، خلال دورة أكتوبر 2025 الَّتِي كانت مخصصة لمناقشة ميزانية الجماعة، غير أنَّه وجدها أيضًا فرصةً لتحميل الأغلبية الحالية مسؤوليات، يعود بعضها إلى الولاية الانتدابية السابقة، وأخرى ليست من الصلاحيات القانونية للمجلس أبدًا.
ومرة أخرى، تحدث بروحو عما أسماه «غياب المنطق التشاركي» في إعداد الميزانية، زاعمًا أن التعامل مع إعداد الدورة لم يكن في المستوى المطلوب، على الرغم من أن النقاش داخل اللجان كان مفتوحًا في وجه جميع الأعضاء، بما فيهم المنتمون لحزب العدالة والتنمية، كما انتقد أيضًا التوصّل بالوثائق الإلكترونية بشكل رقمي، داعيًا إلى العودة إلى «الورقي».
الغريب في الأمر أن السيد بروحو، اختار الحديث بلسان الشباب الذين خرجوا للاحتجاج، والمنتمون إلى «جيل z»، وهم فئة تعيش وسط التكنولوجيا وتطوّراتها المتسارعة واستطاعت الدعوة للاحتجاج عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهي اليوم لا تتعامل فقط مع الوثائق الرقمية، بل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تعقيدا.
وفي المقابل، فإن رئيس فريق العدالة والتنمية، الَّذِي كان يتحدث بلسان مستشاري حزبه، عاجزٌ عن التعامل مع ملفات الدورة الَّتِي توصل بها جميع المنتخبين، زاعمًا أن «الآليات الإلكترونية» غائبة، لكنه في الوقت نفسه يعترف بأن المستشارين توصلوا بوسائل العمل متمثّلة في الأجهزة اللوحية، غير أنَّها «مشات منذ السنة الأولى» على حد وصفه، وهو ما يفرض في حقيقة الأمر مساءلة أصحابها عن مصيرها لا مساءلة رئيس المجلس الجماعي، علمًا أنَّ الحواسيب والهواتف الذكية حاليا موجودة بين أيدي جميع الأشخاص، ويمكنهم استخدامها ببساطة لخدمة الصالح العام أو لأمورهم الشخصية على حد سواء.
الاستعانة بالاحتجاجات الاجـتـمــاعــيـة
من ناحية أخرى، شرع السيد بروحو في بناء روابط غريبة بين الاحتجاجات الَّتِي شهدها الشارع المغربي، الَّتِي ارتبطت بالأساس بمطالب اجتماعية تهم الخِدْمات الصحية وقطاع التعليم وتوفير فرص الشغل، وبين أدوار الجماعة وصلاحياتها وعمل المكتب الحالي، وذلك ضِمن ما أسماه «النقد الذاتي» الَّذِي لم يستحضر 6 سنوات كاملة من مُدّة عمل المكتب الجماعي السابق، متحدثا أيضا، للمفارقة، عن تحقيق ضرورة الأهداف المرجوّة وفق ما نصت عليه القوانين التنظيمية والمقاربة الدستورية المتقدمة لسنة 2011.
بروحو استحضر برنامج عمل جماعة طنجة 2022 – 2027، الَّذِي كان حزبه من بين مهاجميه في السابق وانتقص مرارا مما جاء فيه من مشاريع، لكنه هذه المرة انتقد ما اعتبره «عدم تطبيق مقتضياته، وبقاءه على الرفوف»، في ظل طرحه أكثر من 115 مشروعًا وتخصيص ميزانية بقيمة 5,2 مليار درهم، فإنَّ المثير للاستغراب أكثر هو طبيعة المشاريع الَّتِي اختار الحديث عنها، وهي مشروع تأهيل سوق كاسابراطا، ومشروع المتنزه الوطني الَّذِي يضم حديقة الحيوانات، بالإضافة إلى تجديد أسطول النقل الحضري.
فمشروع تجديد سوق كاسابراطا، الَّذِي سيكلف 50 مليار سنتيم، وكما يعلم بروحو مثله مثل أعضاء حزب العدالة والتنمية الذين كانوا في مواقع المسؤولية خلال الولاية السابقة، ظل يراوح مكانه لعقود نظرًا للتعقيدات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المرتبطة بضرورة إخلاء الفضاء الحالي وتوفير بديل مؤقت، ثم إعادة بناء السوق الجديد وفق معايير عصرية تضمن سهولة الولوج واحترام عناصر السلامة والأمن، بالإضافة إلى إحصاء التجار لمعرفة خريطة إعادة توزيع المحلات بشكل شفاف، لذلك فإن العمل عليه يجرى بتنسيق مباشر مع السلطات الولائية.
ومع ذلك، فإن المجلس الجماعي، في ولايته الراهنة، كان صاحب المبادرة في أكتوبر من سنة 2023، حين صادق على تنفيذ برنامج تهيئة وإعادة بناء سوق كاساباراطا في عملية تمتد إلى غاية 2028، عبر اتفاقية تضم 6 شركاء، إضافة إلى جماعة طنجة، وهم وزارة إعداد التراب الوطني، ومجلس جهة طنجة، وولاية جهة طنجة، ووكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بأقاليم الشمال، وكذا جمعية تجار كاساباراطا، والمقرر أن يُوطّن التجار الحاليون في محلات جديدة ضمن سوق حديث يستجيب لشروط الصحة والسلامة سواء بالنسبة للتجّار أو المرتفقين.
المشروع الثاني الَّذِي استحضره بروحو، هو المتنزه الوطني الَّذِي يضم حديقة الحيوانات في مجال الفضاء الغابوي لمديونة ضمن مساحة تُقدّر في 200 هكتار، وهو مشروع أتى به عمدة طنجة منير ليموري في بداية ولايته، باعتباره فضاء سياحيا ومجتمعيا ستكون له العديد من المميزات الاقتصادية الَّتِي ستغير وجه مدينة طنجة، كما سيساهم في الحفاظ على إرث بيئي مهدد بالتلوث والزحف العمراني، غير أنَّ الذاكرة المحلية لساكنة مدينة طنجة تحتفظ بسيناريو الاعتراض على هذا المشروع من طرف حزب العدالة والتنمية تحديدا، بل الانتقاص منه وتحويله لمادة سخرية تارة، والزعم بأنه سيكون مدخلًا لأباطرة العقار تارة أخرى، إلى جانب الاحتجاج على كلفته، ليأتي الآن رئيس فريق «البيجيدي» إلى دورة أكتوبر متباكيًّا على عدم إنجازه.
السيد بروحو، تطرَّق أيضا إلى موضوع النقل الحضري، إذ بإقراره فإنه لم يكتشف مشكلاته إلا مؤخرا عندما قرر الشروع في استعمال الحافلات، وبغض النظر عما إذا كان الأمر عائدًا لاختيار شخصي أم لتحرك شعبوي يستبق الانتخابات المقبلة، فإن مشكلة المكيفات -وكل ما يتعلق بتجديد الأسطول- مرتبطة بانتهاء المُدّة الانتقالية الَّتِي تشتغل الشركة المفوض لها القطاع حاليا ضمن نطاقها، أما الحافلات الجديدة الَّتِي أشرفت وزارة الداخلية على صفقتها، وعددها بالمئات، فإنها ستدخل حيز الخدمة قريبًا تحت إشراف شركة التنمية المحلية «طنجة موبيليتي» الَّتِي صادق عليها المجلس، بعلم أعضاء «البيجيدي» وحضورهم.
المستشار أحمد بروحو، حاول أيضا تحميل جماعة طنجة مسؤوليات خارج نطاق صلاحياتها أساسا، مثل ما يتعلق بالتشغيل والتعليم والصحة، معتبرا أن عليها تحمل مسؤولية هذه المجالات عن طريق شراكات، رغم اعترافه بأنها أساسا تفعل ذلك ضِمن ما يسمح به القانون المنظم لعمل الجماعات، على غرار تخصيص مساهمة مالية بقيمة 200.000 درهم لدعم مركز الرازي للأمراض النفسية.
هذا الغلاف المالي، صادق عليه المجلس بأغلبيته ومعارضته في دورة أكتوبر 2024، ضِمن تنفيذ بنود الاتفاقية شراكة تبلغ قيمتها الإجمالية 400.000 درهم، مع مجلس عمالة طنجة – أصيلة وجمعية الرازي لمواكبة الأشخاص ذوي القصور العقلي، والهدف هو تحسين الخدمات المقدمة لنزلاء المركز وتعزيز المرافقة والدعم النفسي لهم، بالإضافة إلى توفير بيئة ملائمة تساهم في تحسين ظروف حياة المرضى وتعزيز التكامل الاجتماعي لهم، ما يعني أن المجلس ماضٍ في القيام بأدواره الاجتماعية بصرف النظر عن موعد الاستحقاقات الانتخابية.