القانون والناس
مستقبل مهنة المحاماة في المغرب في ظل الذكاء الاصطناعي … التحول الرقمي وإعادة تعريف أدوار العدالة

لم تعد مهنة المحاماة في المغرب «في سياق التحولات الرقمية العالمية» تلك الممارسة التقليدية القائمة فقط على الاجتهاد الفردي، والبحث اليدوي في النصوص القانونية. فقد فرض الذكاء الاصطناعي نفسه كأحد أبرز الفاعلين الجدد داخل الحقل القانوني، مما يطرح أسئلةً عميقةً عن مستقبل المهنة وحدود تدخُّل التكنولوجيا في تحقيق العدالة.
لقد أفرزت الثورة الرقمية ما يعرف بالتكنولوجيا القانونية وهي منظومة من الأدوات الذكية القادرة على تحليل كمٍّ هائلٍ من الأحكام القضائية، واستخلاص الاتِّجاهات العامة للاجتهاد القضائي، وصياغة العقود بشكل شبه آلي.
وفي المغرب، بدأت بعض مكاتب المحاماة الكبرى، خاصّةً في مدن مثل الدار البيضاء والرباط، في اعتماد برامج متطوّرة لتدبير الملفات، وتتبع مآل القضايا، وتحسين التواصل مع الزبناء
وقد شكَّلت جائحة كورونا نقطة تحوُّل بارزة في هذا المسار، حيث اضطرت المحاكم المغربية إلى تسريع وتيرة الرقمنة، من خلال اعتماد التبادل الإلكتروني للمذكرات، وتنظيم جلسات عن بعد.
وقد أبانت هذه التجربة «رغم ما رافقها من تحديات» عن إمكانية تحديث العدالة وجعلها أكثر مرونة وأكثر نجاعة.
ومع ذلك، فإنَّ ظهور الذكاء الاصطناعي يثير مخاوفَ مشروعة داخل الأوساط المهنية، خصوصًا ما يتعلق بإمكانية تعويض المحامي في بعض المهام الروتينية، مثل البحث القانوني أو تحرير الوثائق. غير أنَّ هذا الطرح يغفل الطبيعة المركبة لمهنة المحاماة، التي لا تختزل في الجانب التقني فقط، بل تعتمد أيضًا على مهارات إنسانية عميقة، كالترافع، والإقناع، وفهم السياقات الاجتماعية والنفسية للنزاعات.
لهذا فإنّ المحامي المغربي اليوم مدعو إلى التكيُّف مع هذا الواقع الجديد، ليس «من خلال تأقلمه معه فقط» بل عبر استيعابه وتوظيفه لصالحه. فالمستقبل سيكون للمحامي الذي يجمع بين التكوين القانوني الجيّد والقدرة على استخدام الأدوات الرقمية الحديثة.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إصلاح منظومة التكوين القانوني في المغرب، سواء على مستوى كليات الحقوق أو معاهد التكوين؛ من خلال إدماج موادّ جديدة تتعلّق بالذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وأخلاقيات الممارسة الرقمية
كما أن هيئات المحامين مدعوة «بدورها» إلى مواكبة هذا التحوُّل، عبر تنظيم دورات تكوينية مستمرّة، ووضع أطر تنظيمية واضحة لاستخدام التكنولوجيا داخل المهنة، بما يضمن الحفاظ على المبادئ الأساسية، وعلى رأسها السر المهني واستقلالية الدفاع. وعلى المستوى العملي، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدًا وجوديًّا لمهنة المحاماة بقدر ما يُمثّل فرصة لإعادة تشكيلها وتطويرها. فالتحدّي الحقيقي لا يكمن في منافسة التكنولوجيا، بل في كيفية تسخيرها لخدمة العدالة وتعزيز ثقة المتقاضين في المنظومة القضائية.
إن المحاماة «باعتبارها رسالة قبل أن تكون مهنة» ستظلّ «في جوهرها» عملًا إنسانيًّا، مهما بلغت درجة تطوُّر التكنولوجيا. لذلك فإنّ المحامي الذي لن يواكب هذا التحوُّل، قد يجد نفسه خارج سياق مهنة تتغيّر بسرعة غير مسبوقة.
بقـلم: الدكتور: كريم الشودري-محامٍ بهيئة تطوان