الجهة
عقارات طنجة.. هل تتحول «عروس الشمال» إلى ملاذ آمن لغسيل أموال «أباطرة دبي»؟

تعيش مدينة طنجة على وقع طفرة «جنونية» في أسعار العقارات، تجاوزت كلّ المنطق الاقتصادي وقوانين العرض والطلب. فبينما كان المتتبّعون يمنون النفس بانفراجة في الأثمنة بعد أزمة «كورونا»، سارعت الأرقام إلى التحليق في أعالي «الجبل الكبير» ومنطقة «مالاباطا»، وسط تساؤلات تطرحها الأوساط المتتبعة بمدينة البوغاز: مَن يضخ هذه السيولة الضخمة في شرايين الإسمنت؟ وهل للأمر علاقة بهجرة عكسية لرؤوس الأموال «المشبوهة» من ملاذات الخليج -تحديدًا دبي- صوب الحاضنة الأم؟
وتفيد مصادر عليمة لـ«لاديبيش»، أنَّ التضييق الدولي الذي باتت تفرضه الهيئات المالية لمكافحة غسل الأموال، والضغوط التي مارستها «مجموعة العمل المالي» (FATF) على بعض المراكز المالية العالمية، جعلت «الإقامة الهادئة» لعددٍ من أباطرة المخدرات المنحدرين من منطقة الشمال في دبي، أمرًا محفوفًا بالمخاطر.
فبعد سنوات من الاستفادة من «الجنة الضريبية» وسهولة التخفّي وراء شركات «الأوفشور» والعقارات الفاخرة، بدأت السلطات هناك في تشديد الرقابة على مصادر الأموال واتّفاقيات تسليم المجرمين، مما دفع «الحيتان الكبيرة» للبحث عن مخارج بديلة.
وتشير المعطيات المتوفرة، إلى أنَّ عددًا من هؤلاء «الأباطرة» الذين راكموا ثرواتٍ خياليّةً من تهريب «الشيرا» والممنوعات عبر القارات، بدؤوا في إعادة توجيه بوصلة استثماراتهم نحو مسقط رأسهم.
والهدف؟ «تبييض» ما يمكن تبييضه في مشروعات عقارية كبرى بطنجة، تضمن لهم تحويل السيولة «القذرة» إلى أصول ثابتة ومدرة للربح الشرعي، تحت غطاء المقاولات والمنعشين العقاريين «الواجهات».
الزائر لمنطقة «طنجة سيتي سنتر» أو كورنيش المدينة، سيلاحظ تناسل أوراش البناء الضخمة التي لا تتوقف، لكن المثير للريبة هو «البروفايلات» التي دخلت على خط الاستثمار العقاري مؤخرًا؛ وجوه شابة، بأسماء مغمورة، تشتري بقعًا أرضية بمئات الملايين من الدراهم، وتؤدي مبالغ الصفقات نقدًا أو عبر ترتيبات بنكية مُعقّدة تثير أكثر من علامة استفهام.
هذا التدفُّق المفاجئ لرساميل «مجهولة المصدر»، تسبَّب في «تسونامي» سعري، حيث قفزت أثمنة المتر المربع في بعض الأحياء الراقية إلى مستويات تُضاهي العواصم الأوروبية. وهو ما يفسره مراقبون بأنَّه «مزايدة متعمدة» لرفع قيمة الأصول، وتسهيل عملية «التطهير» المالي، حيث لا يهمُّ هؤلاء المستثمرين تحقيق ربح تجاري بقدر ما يهمهم «ركن» أموالهم في وعاء آمن بعيدًا عن أعين المخابرات المالية الدولية.
وفي الوقت الذي تتبجَّح فيه بعض المجالس المنتخب بالانتعاش العقاري، تحذر تقارير غير رسمية من خطر «تسميم» الاقتصاد المحلي بطنجة. فدخول أموال «الكوكايين» و«الحشيش» القادمة من دبي عبر قنوات غير رسمية، يقتل المنافسة الشريفة ويقصي المنعشين العقاريين التقليديين الذين يشتغلون بالقروض البنكية والشفافية المالية.
وتطرح هذه الفوضى تساؤلات حول دور مؤسَّسات الرقابة، وعلى رأسها وحدة معالجة المعلومات المالية، في تتبع مسارات الأموال التي تضخُّ في المشروعات الكبرى بالمدينة.. فهل تنجح «عروس الشمال» في كبح جماح «الأباطرة العائدين»، أم أنَّ الإسمنت سيظل الأداة المُفضّلة لإخفاء آثار الجريمة العابرة للحدود؟
إن ما يحدث اليوم في طنجة ليس مجرد «طفرة» بناء، بل هو صراع بين دولة القانون وسلطة «الشكارة» التي تحاول العودة من الملاجئ الضريبية لتفرض منطقها على جغرافية المدينة، مستغلة حاجة القطاع إلى السيولة وصمت بعض الجهات التي قد يغريها «بريق» الأرقام الضخمة.