ثقافة
طنجة مدينة الأدباء والكتاب.. هل ينعكس الإرث الثقافي على واقع القراءة اليوم؟

”احتضنت مدينة طنجة فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للنشر والكتاب، في الفترة الممتدة ما بين 10 و16 أكتوبر بساحة رأس المصلى. وقد أعادت هذه التظاهرة الثقافية إلى الواجهة النقاش حول واقع القراءة ومدى حضور الكتاب في الحياة اليومية لسكان مدينة ارتبط اسمها، لعقود طويلة، بأسماء بارزة في الأدب المغربي والعالمي.
ونظمت هذه الدورة تحت شعار «طنجة مرفأ الخيال ومرسى الكتاب»، بمشاركة ناشرين وكتّاب ومثقفين، من خلال برنامج يضمُّ ندوات ولقاءات أدبية وورشات موجهة للأطفال والشباب، إلى جانب أنشطة تحتفي بالذاكرة الثقافية للمدينة وتاريخها الأدبي.
ورغم المكانة التي تحتلها طنجة في تجارب عدد من الأدباء المغاربة والأجانب، فإنَّ قياس مستوى القراءة بين سكانها يظلّ صعبًا في ظلّ غياب مؤشرات محلية دقيقة تكشف حجم الإقبال على الكتب، وعدد مرتادي المكتبات، ومعدلات اقتناء المؤلفات ومطالعتها.
طنجة.. ذاكرة أدبية عابرة للحدود
ارتبط اسم طنجة بأدباء من قبيل محمد شكري وبول بولز ووليام بوروز وخوان غويتيسولو ومحمد المرابط، الذين استلهموا من أزقتها ومقاهيها وتنوعها الاجتماعي والثقافي عوالم أدبية تجاوز صداها حدود المغرب.
ومنذ منتصف القرن الماضي، استقطبت المدينة كتّابًا وفنّانين من جنسيات مختلفة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتاريخها الدولي وتعدد اللغات والثقافات التي تفاعلت داخل فضائها الحضري، ما منحها حضورًا مميزًا في الأدب المغربي والعالمي.
ولا تزال بعض المؤسسات الثقافية شاهدة على هذا الإرث، من بينها مكتبة «لي كولون» بشارع باستور، التي تأسست سنة 1949، وظلَّت “على مدى عقود” فضاءً للقاء الأدباء والمثقفين المغاربة والأجانب.
لكنَّ استمرار هذه الذاكرة الأدبية لا يقدم “في حد ذاته” صورةً واضحةً عن مدى تحوُّلها إلى ممارسة يومية للقراءة، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة، في سياق تغيرت فيه عادات استهلاك المحتوى الثقافي وتوسعت فيه وسائل الوصول إلى المعرفة عبر الوسائط الرقمية.
أرقام النشر لا تكشف حجم المقروئية
على المستوى الوطني، تشير حصيلة المكتبة الوطنية للمملكة المغربية برسم سنة 2025 إلى بلوغ الإنتاج الفكري 7143 عنوانا، استحوذت المؤلفات الأدبية والإبداعية على نحو 30% منها، مع استمرار اللغة العربية في صدارة لغات النشر.
وتعكس هذه الأرقام حركية قطاع النشر، لكنها لا تكشف “بالضرورة” حجم القراءة الفعلية، ولا عدد الكتب التي يقتنيها المغاربةُ سنويًّا، كما لا توفر معطيات مستقلة تسمح بتقييم وضع المقروئية بمدينة طنجة.
وكان بحث وطني عن استعمال الزمن، أنجزته المندوبية السامية للتخطيط سنة 2012، قد سجل متوسطًا يوميًّا يقارب دقيقتين مخصصتين للقراءة لدى السكان البالغين 15 سنة فما فوق. لكن مرور أكثر من عقد على إنجاز هذا البحث، وما شهدته الفترة من تحوُّلات تكنولوجية وتغيُّرات في أنماط استهلاك المحتوى، يحدُّ من إمكانية الاعتماد على هذه المعطيات وحدها لتقييم واقع القراءة حاليًا.
بين مركز المدينة والأحياء.. تحدي تقريب الكتاب من السكان
لا يرتبط النقاش حول القراءة بتوفر الكتب فقط، بل يشمل أيضًا أسعارها، وتوزيع المكتبات والفضاءات الثقافية، ومدى استفادة التلاميذ والطلبة من خِدْمات المطالعة والإعارة.
وفي طنجة، يطرح تمركز عددٍ من المؤسَّسات الثقافية والمكتبات المعروفة في وسط المدينة ومحيطها التاريخي تساؤلات عن مدى وصول الخِدْمات الثقافية إلى مختلف الأحياء، خصوصًا مع استمرار التوسُّع العمراني نحو مناطق مثل بني مكادة ومغوغة ومسنانة.
ويجعل هذا الواقع من توفير فضاءات دائمة للقراءة، وتجديد أرصدة المكتبات العمومية، وتشجيع الأنشطة الأدبية داخل المؤسسات التعليمية والأحياء السكنية، عناصر أساسية في أي مقاربة تروم توسيع قاعدة القراء.
فالتحدّي لا يقتصر على تنظيم معارض موسمية، بل يشمل بناء علاقة مستمرة بين الكتاب والقارئ، من خلال مبادرات تتيح للأطفال والشباب والأسر فرصًا منتظمة لاكتشاف القراءة وممارستها.
معرض الكتاب.. من الاحتفاء بالذاكرة إلى اختبار اهتمام الجمهور
تضمَّن برنامج الدورة الرابعة عشرة محاضرة للمفكر والناقد عبد الفتاح كيليطو بعنوان «لماذا نقرأ الأدب؟»، إلى جانب لقاءات تناقش حضور طنجة في الأدب والسينما، وأنشطة تستحضر الذاكرة الثقافية للمدينة. كما أحتفت التظاهرة بالروائي المغربي محمد عز الدين التازي، الذي اختير شخصية لهذه الدورة، ضمن برنامج يجمع بين التكريم الأدبي وفتح النقاش حول قضايا الكتابة والنشر.
لكنَّ مؤشرات الإقبال «خلال أيام المعرض» تظلُّ غير كافية وحدها للحكم على مستوى القراءة في المدينة على مدار السنة؛ إذ يتطلب التقييم صورةً أوسعَ تشمل أعداد مرتادي المكتبات العمومية، وحجم الإعارات، ومبيعات الكتب، ومدى انتشار المرافق الثقافية داخل المجال الحضري.
وبينما تواصل طنجة استثمار مكانتها التاريخية مدينة للأدباء والكتاب، يبقى التحدي المطروح أمام المؤسسات الثقافية والفاعلين في قطاع النشر هو تحويل هذا الرصيد الرمزي إلى ممارسة ثقافية مستدامة، تتجاوز التظاهرات الموسمية لتصبح جزءًا من الحياة اليومية للسكان.
فبعد عقود من حضور طنجة في روايات وأعمال أدبية بلغات متعددة، يظلُّ السؤال مفتوحا: إلى أي حد يواكب حضور المدينة في ذاكرة الأدب العالمي حضورًا فعليًّا للكتاب في حياة سكانها اليوم؟