سياسة
دائرة طنجة – أصيلة.. حرب حزبية طاحنة على 5 مقاعد نيابية موروثة عن تقسيم انتخابي بائد

متى تنتبه وزارة الداخلية إلى ضرورة الرفع من حصة ثاني أكبر مدينة في المغرب؟
لا يختلف اثنان على أنَّ الدائرة الانتخابية طنجة-أصيلة تُمثّل إحدى أهم الدوائر على المستوى الوطني، خلال الانتخابات التشريعية، فهي إحدى موازين القوى التي تُظهر بوضوح أي الأحزاب قادرة على تصدر المشهد النهائي، وعادة ما تحتدم المنافسة فيها بين عشرات الأسماء التي خبرت العمل البرلماني والحزبي، وأحيانا تجذب حتى من تولوا مهامَّ وزارية.
لكن، وبعد الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، الذي كشف عن أنَّ عمالة طنجة-أصيلة أصبحت ذات ثقل ديموغرافي كبير، بتعداد سكاني يقارب المليون ونصف المليون نسمة، أصبح عديدٌ من الأصوات تتداول، تارة في السر وتارة في العلن، إمكانية الرفع من حصتها من مقاعد مجلس النواب، التي لا تتجاوز حاليا 5 مقاعد، أي أقل من باقي المدن الكبرى الأخرى ذات التعداد السكاني الأدنى منها.
هل تنتبه وزارة الداخلية للظلم الواقع على طنجة؟
من الناحية النظرية، يخضع توزيع مقاعد الانتخابات التشريعية في المغرب لمنظومة قانونية وتنظيمية دقيقة، تؤطرها مقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب، وترتكز على التوفيق بين معيار التمثيل السكاني ومبدأ العدالة المجالية، بما يضمن تمثيليَّة متوازنة لمختلف مناطق المملكة، الحضريَّة منها والقرويَّة، ذات الكثافة السكانية المرتفعة أو المحدودة.
ويتكوَّن مجلس النواب من 395 عضوا، يُنتخب 305 منهم على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية، فيما يُخصص 90 مقعدًا للوائح الوطنية، ويُعد توزيع المقاعد المحلية، موضوع النقاش الأساسي هنا، عمليةً تقنية وسياسية في آن واحد، لا تعتمد على قاعدة حسابية جامدة، بل على مقاربة مرنة تراعي الخصوصيات الديموغرافية والترابية.
ويُستند في إعداد الخريطة الانتخابية إلى آخر إحصاء عام للسكان والسكنى الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، الذي يُشكّل المرجع الأساسي لتقدير الكتلة السكانيّة لكل عمالة أو إقليم، وعلى هذا الأساس، يُمنح عدد من المقاعد يتناسب بشكل تقريبي مع عدد السكان، وفق معدل وطني غير منصوص عليه صراحة في القانون، لكنه يُعتمد بوصفه مرجعًا تقنيًّا، ويتراوح عادة بين مقعد واحد لكل 90 ألفًا إلى 100 ألف نسمة.
هنا مربط الفرس بالنسبة للدائرة الانتخابية طنجة-أصيلة، التي أصبح تعداد سكانها، وفق الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، هو 1,5 ملايين نسمة تقريبًا، بعد مدينة الدار البيضاء بمختلف عمالاتها التي يقطنها 3,21 مليون نسمة، ثم مراكش بكل مقاطعاتها، التي وصل عدد سكانها إلى 1,57 مليون نسمة، الأمر الذي يستدعي من الناحية المنطقية تخصيص مقاعد أكثر لطنجة.
وللإشارة فإنَّ المعيار السكاني لا يُطبق بشكل آلي، إذ يُصحح بعناصر أخرى، من بينها الامتداد الجغرافي، والكثافة السكانية، والطابع القروي أو الحضري للمنطقة، إضافة إلى ضرورة الحفاظ على وحدة العمالات والأقاليم، كما يحرص المشرّع على تفادي إحداث دوائر انتخابية شاسعة أو مكتظة بشكل مفرط، لما لذلك من تأثير سلبي على مبدأ القرب بين المنتخبين والناخبين.
وفي هذا الإطار، ينصّ الإطار القانوني على حدّ أدنى لعدد المقاعد في كل دائرة انتخابية محلية، حيث لا يمكن لأي دائرة أن تُمنح أقل من مقعدين، حتى وإن كان عدد سكانها محدودًا، وهو ما يهم بالخصوص الأقاليم القروية أو الجبلية أو الجنوبية، وينسحب على عمالة الفحص-أنجرة مثلا، وفي المقابل، لا يُسمح بتجاوز سقف معين من المقاعد داخل الدائرة الواحدة، وهو حاليا 6 مقاعد في الدائرة الواحدة.
هذا النظام يُؤدِّي إلى تقسيم المدن الكبرى إلى عدة دوائر انتخابية محلية، كما هو الحال في الدار البيضاء أو الرباط، وحتى مراكش التي يصل تعداد مقاعد دوائرها الثلاث إلى 9 إجمالًا، مقسمة بينها بالتساوي، في حين أن دائرة طنجة-أصيلة القريبة منها في تعداد السكان ما زالت تكتفي بدائرة واحدة تضم 4 مقاطعات على مستوى الجماعة، ومركزين حضريين هما اكزناية وأصيلة، وعدد ممثليها في مجلس النواب محدود في 5 فقط.
وتتولَّى وزارة الداخلية إعداد مشروع توزيع الدوائر والمقاعد بناء على هذه المعايير، قبل إحالته على البرلمان في إطار قانون تنظيمي، لا يمكن تعديله أو مراجعته إلا عبر المسطرة التشريعية، ويعكس هذا التوزيع في جوهره اختيارًا سياسيًّا يرمي إلى تحقيق توازن دقيق بين الإنصاف الديموغرافي وضمان تمثيلية عادلة للمجالات الترابية الأقل كثافة، بما يحول دون تركيز السلطة التمثيلية في المدن الكبرى وحدها، غير أن تقادمه يُخلّف ظلمًا تمثيليًّا في حق مدينة طنجة.
ويرتكز النموذج المغربي لتوزيع المقاعد التشريعية على ما يُعرف بالتمثيلية السكانية المصححة بالتمثيلية المجالية، في محاولة للجمع بين مقتضيات الديمقراطية العددية ومتطلبات التماسك الترابي، وهو خيار يظلّ محط نقاش سياسي وقانوني متجدد، خاصّةً مع اقتراب كل استحقاق انتخابي تشريعي، لذلك فإنَّه الآن يعود إلى طاولة النقاش في طنجة، خصوصًا مع اشتداد المنافسة المتوقعة بين 8 أحزاب كبرى على الأقل، التي تتوفر على أكثر من 10 مقاعد لكل منها خلال الولاية التشريعية الحالية.
مدينة مليونية بحصة مقاعد أقل من سطات والخميسات
وبالعودة إلى خريطة التقسيم الانتخابي لمجلس النواب المعتمدة إلى غاية الآن، والمتوفرة عبر الموقع الإلكتروني الرسمي للمؤسسة البرلمانية، نجد أن دائرة طنجة-أصيلة التي يقارب تعداد سكانها مليونا ونصف المليون نسمة تتوفر على 5 مقاعد فقط، في حين أنَّ مدينة فاس ذات المليون و250 ألف نسمة حسب آخر إحصاء عام للسكان والسكنى، مثلا، مقسّمة إلى دائرتين، شمالية وجنوبية، بـ4 مقاعد لكل منهما أي 8 في المجموعة.
مدينة مراكش هي الأخرى تتوفر على أكثر من دائرة انتخابية، وبالضبط 3 دوائر هي «جليز-النخيل» و«المنارة» و«المدينة-سيدي يوسف بن علي»، لكل منها 3 مقاعد أي 9 في المجموعة، في حين أن سلا ذات الـ1,08 مليون نسمة بدورها مقسّمة لدائرتي سلا-المدينة وسلا-الجديدة، مجموعهما 7 مقاعد، أما مدينة الرباط بتعداد سكاني لا يتعدّى 510 آلاف نسمة، فهي أيضا تتوفر على دائريتين بمجموعة مقاعد يصل إلى 7، حيث تفرز دائرة الرباط-المحيط 4 نواب برلمانيين، ودائرة الرباط-شالة 3 نواب.
حصة المقاعد الخمسة الممنوحة لدائرة طنجة-أصيلة، تعني أنَّ هذه العمالة لديها أيضا تمثيلية أقل من مدينة مكناس التي تتوفر على دائرة واحدة، لكنها مكونة من 6 مقاعد، رغم تعدادها السكاني الذي لا يزيد عن 940 ألف نسمة، مما ينطبق أيضًا على مدينة الجديدة التي يبلغ تعداد سكانها 910 آلاف نسمة، وآسفي بـ710 آلاف نسمة وسطات التي يقطنها 650 ألف شخص، وجميعها لديها 6 مقاعد، وهو أيضًا تعداد مقاعد الخميسات لكن مع تقسيمه إلى دائرتين، الأمر الذي ينسحب على إقليم أزيلال أيضًا.
مقارنة أخرى تثبت حالة «اللاعدل» التي أضحت تعيشها دائرة طنجة – أصيلة، فالمقاعد النيابية الخمسة المخصصة لها، تماثل تلك التي تتوفر عليها جارتها تطوان التي يقطنها 610 آلاف شخص، أي أقل من نصف سكان مدينة البوغاز، وهو أيضا عدد مقاعد دائرة سيدي قاسم بـ540 ألف نسمة وتازة بنصف مليون نسمة، أي أنهما أصغر من مقاطعة بني مكادة وحدها التي يقارب تعداد سكانها 568 ألف نسمة، وهي بالتالي الأكبر في المغرب على المستوى الديمغرافي.
هذا الوضع أصبح يُسائل المشرع المغربي، خصوصًا النواب البرلمانيين الذين يمثلون مدينة طنجة في الغرفة الأولى، لأنَّه أصبح منطقيًّا أن يُعدّل هذا التقسيم المنبني على أرقام قديمة لم يعد معمولًا بها على المستوى الرسمي، لكنها لا تراعي التغيرات الديموغرافية التي عرفتها مدينة طنجة، تماشيًّا مع تحولها إلى قطب اقتصادي مركزي، فالعديد من المهتمين بالشأن العام المحلي يطرحون الآن فكرة الرفع من عدد المقاعد المخصصة لها، على حساب الدوائر الأخرى التي تراجع تعداد سكانها، بما في ذلك العاصمة الرباط.
ويرى عديدٌ من المهتمين بالشأن السياسي على مستوى عمالة طنجة-أصيلة، أنَّ العدل يقتضي رفع تعداد المقاعد المخصصة لهذه المنطقة إلى 7 على الأقل، وهو ما يتيح إمكانية تقسيمها إلى دائرتين حيث من الممكن الإبقاء على دائرة باسم طنجة-أصيلة مكونة من مقاطعات طنجة-المدينة والسواني ومغوغة وباقي الجماعات خارج مدينة طنجة، يتنافس المرشحون فيها على 4 أو 5 مقاعد، مع إحداث دائرة أخرى باسم طنجة-بني مكادة، يختار فيها نائبان إلى 3 نواب.
وإذا كان تقسيم الدوائر محكومة باعتبارات عدّة، اجتماعية وديموغرافية وسياسية، قد تجعل من تقسيم إقليم واحد إلى دائرتين أمرًا رهينًا بتقديرات السلطة المخول لها مراجعة التقطيع الانتخابي، وهي وزارة الداخلية مباشرة، فإن الدفاع عن حق المنطقة في الرفع من عدد ممثليها أمام مجلس النواب يعود بالدرجة الأولى إلى الفاعلين السياسيين، خصوصًا المنتخبين منهم على المستوى المحلي، على اعتبار أنَّهم يتوفرون على ورقة ضغط مهمة للترافع أمام الحكومة والبرلمان، وهي الإحصاء العام للسكان والسكنى، الذي يجب أن يكون المرجع الرئيسي والموضوعي في عملية تقسيم المقاعد النيابية بين عمالات وأقاليم المملكة.
مطـلب مُلِح في ظـــل التنافسية الحزبية الكبيرة
مسألة الرفع من تمثيلية دائرة طنجة-أصيلة داخل مجلس النواب، انتبهت لها أيضًا بعض الأحزاب السياسية، التي اقترحت ذلك على وزارة الداخلية -عبر مقترحاتها لتعديل القوانين الانتخابية العام الماضي- التي نبهت إلى ضرورة الرفع من عدد المقاعد في الغرفة الأولى إجمالا، كما دعت أيضًا إلى إحداث دائرة أخرى على مستوى مدينة طنجة بدل الاكتفاء بدائرة واحدة، الأمر الذي يستند إلى التعداد السكاني الحالي للمدينة.
حزب جبهة القوى الديمقراطية، كان أبرز الأحزاب التي نصت على هذا الأمر بشكل صريح، وهو حزب ممثل في البرلمان بغرفتيه، مجلس النواب ومجلس المستشارين، لكن استعصى عليه منذ اعتماد النظام اللائحي الحصول على أي مقعد على مستوى الدائرة الانتخابية لطنجة-أصيلة حتى بعد تعديل العتبة، التي أدت، خلال انتخابات 2021 إلى تقاسم خمسة أحزاب للمقاعد الخمسة المتبارى بشأنها، وهي الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاتحاد الدستوري.
اقترح الحزب إدخال تعديل جوهري على الهندسة العددية لمجلس النواب، من خلال رفع عدد أعضائه إلى سبعين مقعدًا إضافيًّا، لينتقل من 395 مقعدًا المعمول بها حاليًّا إلى 465 مقعدا، ويأتي هذا المقترح، حسب الحزب، في سياق التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، التي أفرزها الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، وما رافقها من اختلالات في التمثيلية البرلمانية بين الجهات.
واعتبر الحزب، في مذكرة رفعها إلى وزارة الداخلية ضمن مشاورات تعديل القوانين الانتخابية، وتم الكشف عنها في شتنبر الماضي، أن ملاءمة عدد المقاعد مع التطور السكاني تُشكّل مدخلًا أساسيًّا لتعزيز مبدأ المساواة أمام الاقتراع، وتقوية الثقة في المؤسَّسات المنتخبة، وأبرزت المذكرة وجود تفاوتات واضحة في توزيع المقاعد بين الجهات، حيث تستفيد بعض المناطق من مقعد برلماني واحد لكل نحو 99 ألف نسمة، بينما يتجاوز هذا المعدل في جهات أخرى 140 ألف نسمة، مما يعكس، حسب الحزب، خللًا بنيويًّا في العدالة التمثيلية.
وسجل الحزب، أنَّ المعدل الوطني الحالي، باستثناء الأقاليم الجنوبية، يقارب مقعدًا واحدًا لكل 125 ألفًا و735 نسمة، وذلك رغم الزيادة السكانية التي فاقت ثلاثة ملايين نسمة خلال العقد الأخير، ما يجعل البنية الحالية لمجلس النواب غير متناسبة مع الواقع الديموغرافي الجديد، وانطلاقًا من ذلك، دعا إلى توسيع اللائحة الوطنية لتشمل 30 مقعدا موجهة لتمثيل الكفاءات الوطنية ومغاربة العالم، مع فتح إمكانية رفع عدد مقاعد هذه اللائحة إلى حدود 100 مقعدٍ إضافيٍّ فوق العدد الحالي لأعضاء المجلس.
وفي الإطار نفسه، أوصى الحزب بتخصيص 40 مقعدًا من الزيادة المقترحة للوائح الجهوية، بما يسمح بالرفع من تمثيلية النساء إلى حدود الثلث، أي حوالي 130 مقعداً، مقارنة بـ95 مقعدًا حاليًّا، ويرى الحزب أن هذا الخيار من شأنه تجديد النخب وتعزيز حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية.
كما شدَّدت المذكرة على ضرورة تحيين التقطيع الانتخابي؛ استنادًا إلى معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، من خلال مراجعة حدود الدوائر الانتخابية وفق معايير موضوعية تراعي الكثافة السكانية والامتداد الجغرافي والتضاريس وحاجيات القرب الإداري، بما يقلص الفوارق بين الدوائر ويضمن تمثيلًا أكثر إنصافًا. وفي هذا السياق، اقترح الحزب تقسيم عدد من الأقاليم الكبرى إلى دائرتين محليتين، وفي مقدمتها دائرة طنجة-أصيلة، إلى جانب دوائر تطوان وسطات وبني ملال والحوز والحسيمة وغيرها، لمواكبة النمو الديمغرافي المتسارع.
وتُعدُّ مقترحات مثل هذه مهمة بالنسبة للناخبين، ولكن أيضًا بالنسبة للأحزاب السياسية، التي تعلم جيدًا أنَّ دائرة طنجة-أصيلة أصبحت من «دوائر الموت» التي تتنافس فيها أسماء معروفة على الساحة السياسية الجهوية وأيضا الوطنية، وهو أمر يبدو أكثر إلحاحًا، خلال انتخابات سنة 2026 التشريعية، في ظل الحديث عن نية الأحزاب الكبرى، مثل الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والعدالة والتنمية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، والتقدم والاشتراكية، دخول المعترك الانتخابي عبر ترشيح وكلاء لوائح بارزين، بعضهم أعضاء حاليون أو سابقون في الحكومة، وبعضهم الآخر من قيادات الصف الأول حزبيًّا.