آخر الأخبار
خسائر بالمليارات.. كيف تهدد العودة لتراخيص البناء الورقية مستقبل طنجة وساكنتها؟
تعاني مدينة طنجة العديد من المشكلات، خاصّةً تلك المتعلقة بالتعمير والبناء العشوائي، ونجحت بعض الوجوه الانتخابيَّة في ربطها بالسياقات العامة للنقاش بالمدينة وإخراجها عن إطارها القانوني والإداري قصد المتاجرة بها انتخابيًّا، وهو ما انعكس سلبًا على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
ومن بين هؤلاء تبرز أسماء قديمة جديدة من “شناقة الانتخابات” ومن خلفهم رموز “السكة القديمة” الذين يتمسّكون بالأساليب التقليديَّة، الذين كبَّدوا خزينة الدولة خسائر بالملايير، بسبب الفوضى والعشوائيَّة، التي كانت تميّز نظام التراخيص السابق، كما لا يجدون أيَّ حرجٍ في المطالبة بالعودة إلى العمل بنظام التراخيص الورقيَّة.
إن ما يخفيه هؤلاء عن الرأي العام هي الحقيقة الساطعة المتمثّلة في كون العودة إلى نظام التراخيص الورقيَّة، لا يعدو أن يكون سوى خطوة إلى الوراء، فتقنيات الإدارة والتواصل الحديثة تتيح للقائمين على العمليَّة إدارة التراخيص بطريقة أكثر كفاءة وشفافيَّة.
ومع كل ذلك، لا يزال هؤلاء يؤيدون العودة إلى الأساليب القديمة، ما يظهر عدم استيعابهم مهامهم المفترضة، وكذا مقاومتهم التحوّلات التي يشهدها عالم الإدارة والتدبير.
ومما لا شك فيه، فإنَّ استمرار هكذا توجه في أوساط “النخب المحليَّة” من شأنه أن يُؤثّر سلبًا وبصورة مباشرة، في جذب الاستثمار، إذ يُفضّل المستثمرون العمل في بيئات شفّافة وسريعة، وليس في دوامات البيروقراطيَّة و”شدلي نقطعلك” التي تعيق تقدّم المشروعات وتثبط همم رواد الأعمال.
وحسب إحصاءات سابقة، فإن العشوائيَّة في منح التراخيص كانت تُساعد في تفشي البناء العشوائي، ما أضرّ بالمنظر الحضاري للمدينة، وأدى إلى مشكلات اجتماعيَّة واقتصاديَّة متعدّدة، إذ شيّدت العديد من العقارات دون مراعاة المعايير القانونيَّة أو التخطيط السليم، ما يُعرّض حياة السكان للخطر، ويعيق جهود التنميَّة المستدامة.
وهنا يبرز دور رجال السلطة في حفظ النظام العام، لكن بعضهم -للأسف- كان متساهلًا في السابق، ما أدَّى إلى تفشي هذه الظاهرة، باعتبار غياب المراقبة الفعّالة يعد أحد الأسباب الرئيسيَّة وراء تفشي الفوضى في مجال البناء، ما يتطلَّب إعادة النظر في آليات سبل المراقبة.
إن الفساد الذي كان يمارس في منح التراخيص قد أدَّى إلى تفشّي شبكات المحسوبيَّة، والحصيلة أن تضيع حقوق المواطنين وأن تمنح التراخيص لبعض الأفراد دون غيرهم، ما خلق بيئة غير عادلة وغارقة في عدم المساواة أمام القانون.
إن مخلفات هذه الحقبة من خسائر -وباعتبار فداحتها- يجب أن تدفع إلى الإسراع بمحاسبة كل من ساهم في هذه العشوائيَّة، سواء كانوا سياسيين أو رجال سلطة، لضمان عدم تكرار هذه الأخطاء في المستقبل؛ لأنَّ تعزيز الشفافيَّة والمساءلة يُعدُّ من الخطوات الأساسيَّة نحو تحسين الوضع العام لكل من المواطن والإدارة.
لقد بات مهمًا جدًا، أن تُتبنى أساليب جديدة في إدارة التراخيص، تتماشى مع التوجهات العامة للبلاد على سبيل ربح رهانات استقطاب الاستثمار، فالتكنولوجيا الحديثة تُوفّر حلولًا مبتكرة تساعد في تسريع الإجراءات وتحجيم فرص الفساد.
كما يجب أن يتحمل “السياسيون” المسؤوليَّة في اتخاذ خطوات فعّالة نحو تحسين النظام الإداري، بدلًا من محاولة عرقلته والعودة به إلى الأساليب القديمة، التي أثبتت فشلها، لأنَّ تطوير نظام رقمي متكامل لإصدار التراخيص لم يعد رفاهيَّة، بل يعدّ ضرورة ملحة، إذ يُسهّل على المواطنين الحصول على الخِدْمات بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
إن مدينة طنجة بحاجة ماسة إلى سياسيين جُدد يستطيعون فهم التحديات الراهنة وتبني حلول مبتكرة؛ لأنَّ الاستمرار في التفكير بأساليب الماضي لن يُحقّق أي شيء، بل سيؤدي إلى تفاقم المشكلات الحاليَّة، لهذا يجب أن يتم التركيز على بناء نظام إداري متطوّر يُعزّز من الشفافيَّة والعدالة ويساهم في تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المدينة، في أفق تحقيق التنميَّة المستدامة التي من المفترض أن ينشدها الجميع.