الجهة

حين يتحول باب النجاة إلى بداية معاناة أخرى.. ماذا يجري بالمستشفى الإقليمي الأميرة للا مريم بالعرائش؟

هناك‭ ‬لحظات‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬فيها‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬بصره‭ ‬إلى‭ ‬السماء،‭ ‬راجيًّا‭ ‬رحمة‭ ‬الله،‭ ‬ثم‭ ‬يهرع‭ ‬إلى‭ ‬أقرب‭ ‬مستشفى‭ ‬وهو‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬فيه‭ ‬طوق‭ ‬النجاة‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬أقسى‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬إلى‭ ‬صدمةٍ‭ ‬ثانية،‭ ‬وأن‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلةً‭ ‬مؤلمةً‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬بإقليم‭ ‬كامل؟

أكتب‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬أنقل‭ ‬رواية‭ ‬سمعتها‭ ‬من‭ ‬أحد،‭ ‬بل‭ ‬أنقل‭ ‬ما‭ ‬عاينته‭ ‬شخصيًّا‭ ‬داخل‭ ‬المستشفى‭ ‬الإقليمي‭ ‬الأميرة‭ ‬للا‭ ‬مريم‭ ‬بمدينة‭ ‬العرائش،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتقلت‭ ‬إليه‭ ‬مباشرة‭ ‬إثر‭ ‬تعرَّض‭ ‬أخي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬لحادثة‭ ‬سير‭ ‬مروعة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬مفترق‭ ‬الطرق‭ ‬المحاذي‭ ‬لقاعة‭ ‬العويطي‭ ‬بالعرائش،‭ ‬بعدما‭ ‬صدمته‭ ‬سيارة‭ ‬كانت‭ “‬حسب‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة‭ ‬لدينا‭” ‬تسير‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة،‭ ‬مما‭ ‬تسبَّب‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬إصابات‭ ‬وكسور‭ ‬متعددة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الرأس‭ ‬والقدمين،‭ ‬استدعت‭ ‬نقله‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬السرعة‭ ‬بواسطة‭ ‬سيارة‭ ‬الإسعاف‭ ‬إلى‭ ‬قسم‭ ‬المستعجلات‭. ‬وعندما‭ ‬وصلت‭ ‬المستشفى‭ ‬وعاينت‭ ‬الوضع‭ ‬بنفسي،‭ ‬كانت‭ ‬المفاجأة‭ ‬مؤلمة‭.‬

فقد‭ ‬تم‭ ‬إبلاغنا‭ ‬بعدم‭ ‬توفّر‭ ‬الجبس‭ ‬داخل‭ ‬المستشفى،‭ ‬وطُلب‭ ‬منا‭ ‬التوجّه‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬لشرائه،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الساعة‭ ‬كانت‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬الثالثة‭ ‬والنصف‭ ‬صباحًا،‭ ‬وهو‭ ‬توقيت‭ ‬يستحيل‭ ‬معه‭ ‬تقريبًا‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬محل‭ ‬مفتوح‭ ‬أو‭ ‬وسيلة‭ ‬مناسبة‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬المعاناة‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬أخبرتنا‭ ‬طبيبة‭ ‬المداومة‭ “‬بكل‭ ‬صراحة‭” ‬بأنَّ‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬نقل‭ ‬المصاب‭ ‬إلى‭ ‬مستشفى‭ ‬بطنجة،‭ ‬لكون‭ ‬المستشفى‭ ‬الإقليمي‭ ‬لا‭ ‬يتوفر‭ “‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬أفادت‭ ‬به‭” ‬إلا‭ ‬على‭ ‬طبيب‭ ‬واحدٍ‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬جراحة‭ ‬العظام‭ ‬يشتغل‭ ‬خلال‭ ‬التوقيت‭ ‬العادي،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬موجودًا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الحرجة‭.‬

وهنا‭ ‬بدأت‭ ‬الأسئلة‭ ‬المؤلمة‭ ‬تتزاحم‭ ‬في‭ ‬ذهني‭:‬

*إلى‭ ‬أين‭ ‬يذهب‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الليل؟

*ومن‭ ‬ينقذ‭ ‬مصابًا‭ ‬يعاني‭ ‬كسورًا‭ ‬خطيرة‭ ‬عندما‭ ‬يغيب‭ ‬الطبيب‭ ‬المختص؟

*وكيف‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬أنهكها‭ ‬الخوف‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬ابنها‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ “‬في‭ ‬جنح‭ ‬الليل‭” ‬عن‭ ‬الجبس‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬سيارة‭ ‬إسعاف‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬مستشفى‭ ‬آخر‭ ‬يبعد‭ ‬عشرات‭ ‬الكيلومترات؟

إنَّ‭ ‬المستشفى‭ ‬الإقليمي‭ ‬الأميرة‭ ‬للا‭ ‬مريم‭ ‬ليس‭ ‬مرفقًا‭ ‬صحيًّا‭ ‬صغيرًا‭ ‬يخدم‭ ‬حيًّا‭ ‬أو‭ ‬جماعةً‭ ‬محدودةً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬المؤسسة‭ ‬الصحية‭ ‬المرجعية‭ ‬لإقليم‭ ‬العرائش،‭ ‬الذي‭ ‬يضمُّ‭ ‬تسع‭ ‬عشرة‭ ‬جماعة،‭ ‬ويستقبل‭ ‬يوميًا‭ ‬المرضى‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬الجماعتين‭ ‬الحضريتين‭ ‬العرائش‭ ‬والقصر‭ ‬الكبير،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الجماعات‭ ‬القروية‭ ‬التابعة‭ ‬للإقليم،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬مرضى‭ ‬من‭ ‬أقاليم‭ ‬مجاورة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭. ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تزداد‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬التساؤلات،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لمستشفى‭ ‬إقليمي‭ ‬يحمل‭ ‬الاسم‭ ‬الكريم‭ ‬لصاحبة‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأميرة‭ ‬للا‭ ‬مريم‭ “‬ويخدم‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭” ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإكراهات‭ ‬في‭ ‬مستلزمات‭ ‬علاجية‭ ‬أساسية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬التغطية‭ ‬الطبية‭ ‬المتخصصة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة؟

إن‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بأسرة‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬بمصاب‭ ‬واحد،‭ ‬وإنَّما‭ ‬تمس‭ ‬حقًا‭ ‬من‭ ‬أقدس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وهو‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬وصون‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬ليست‭ ‬موجهة‭ ‬ضد‭ ‬الأطر‭ ‬الطبية‭ ‬أو‭ ‬التمريضية‭ ‬التي‭ ‬تبذل‭ ‬جهودًا‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬صعبة،‭ ‬وإنَّما‭ ‬هي‭ ‬نداء‭ ‬مسؤول‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توفير‭ ‬الإمكانيات‭ ‬البشرية‭ ‬واللوجستية‭ ‬التي‭ ‬تمكنهم‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬رسالتهم‭ ‬النبيلة‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الظروف‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنبر،‭ ‬نناشد‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والسلطات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬والجهة،‭ ‬وجميع‭ ‬المسؤولين،‭ ‬القيام‭ ‬بزيارة‭ ‬ميدانية‭ ‬عاجلة‭ ‬للمستشفى،‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬الوضع،‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬معاناة‭ ‬المواطنين‭ ‬والأطر‭ ‬الصحية،‭ ‬واتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬ومستعجلة‭ ‬لتدارك‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭.‬

إن‭ ‬إقليم‭ ‬العرائش‭ ‬يستحق‭ ‬مستشفى‭ ‬إقليميًّا‭ ‬حديثًا،‭ ‬مجهزًا‭ ‬بأحدث‭ ‬المعدات،‭ ‬ومتوفرًا‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬التخصصات‭ ‬الطبية،‭ ‬خاصة‭ ‬طب‭ ‬المستعجلات‭ ‬وجراحة‭ ‬العظام‭ ‬والإنعاش،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬المداومة‭ ‬الطبية‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أربع‭ ‬وعشرين‭ ‬ساعة،‭ ‬وتوفير‭ ‬الأدوية‭ ‬والمستلزمات‭ ‬الطبية‭ ‬الأساسية‭ ‬وسيارات‭ ‬إسعاف‭ ‬كافية،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬كل‭ ‬حادثة‭ ‬سير‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬استعجالية‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬العلاج‭ ‬خارج‭ ‬الإقليم‭.‬

فالكرامة‭ ‬لا‭ ‬تتجزأ،‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬لتوقيت‭ ‬إداري،‭ ‬وإنقاذ‭ ‬الأرواح‭ ‬مسؤولية‭ ‬وطنية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬وإنسانية‭.‬

ويبقى‭ ‬الأمل‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬هذه‭ ‬الصرخة‭ ‬آذانًا‭ ‬مُصغية‭ ‬وقلوبًا‭ ‬واعية،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬معاناة‭ ‬أخي‭ ‬عبد‭ ‬السلام،‭ ‬ومعاناة‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬المرضى،‭ ‬دافعًا‭ ‬لإصلاح‭ ‬حقيقي‭ ‬يعيد‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬المواطن،‭ ‬ويجعل‭ ‬المستشفى‭ ‬فضاءً‭ ‬للأمل‭ ‬والحياة،‭ ‬لا‭ ‬عنوانًا‭ ‬للحيرة‭ ‬والقلق‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬لحظات‭ ‬العمر‭.‬

Exit mobile version