سياسة
حركة «جيل زد» بطنجة تكشف هشاشة المشهد الحزبي وتعمّق أزمة الثقة بين الشباب والسياسة
شهدت مدينة طنجة خلال الأسابيع الأخيرة موجةً احتجاجات غير مسبوقة قادها شباب «جيل زد»، في حدث اعتبره مراقبون محطة سياسية فارقة، أعادت إلى الواجهة النقاش حول علاقة الشباب بالممارسة السياسية وأزمة الثقة الَّتِي تخنق الأحزاب التقليدية. فبينما خرج المئات من الشباب للتعبير عن غضبهم من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وجد الفاعلون السياسيون أنفسهم في مواجهة جيل جديد لا يعترف بقواعد اللعبة القديمة، ولا يستجيب للخطابات الَّتِي فقدت بريقها منذ زمن.
هذه الاحتجاجات، الَّتِي انطلقت تلقائيًّا ومن دون تأطير حزبي أو نقابي، عرّت هشاشة المشهد الحزبي المحلي بطنجة، وأظهرت عجز التنظيمات السياسية عن فهم التحولات العميقة الَّتِي يعيشها المجتمع المغربي، خصوصًا في مجال الوعي الشبابي. فجيل اليوم، المولود في زمن التكنولوجيا المفتوحة، لم يعد يثق في الوساطة الحزبية، ولا يرى في الأحزاب سوى مؤسسات فقدت صلتها بالواقع المعيش.
ويرى الباحث في علم الاجتماع السياسي، محمد الطالبي، أنَّ ما وقع في طنجة «يؤشر على تغير عميق في علاقة الشباب بالسياسة»، مضيفًا أن «الجيل الجديد قادر على تنظيم ذاته رقميًا والتعبير عن مطالبه خارج الإطار الحزبي التقليدي»، معتبرًا أن «الأحزاب لم تعد تمتلك أدوات الإقناع ولا لغة التواصل مع فئة تمثل قلب المجتمع المغربي».
في المقابل، اعترف أحد القياديين المحليين في حزب سياسي بطنجة، بأنّ «الأحزاب وقعت في فخ العزلة»، موضحًا أن «حركة جيل زد لم تكن موجهة ضد طرف بعينه، لكنها رسالة قوية للنخب الَّتِي فقدت تواصلها مع الشارع وانشغلت بصراعاتها الداخلية». أما المستشارة الجماعية فاطمة الزهراء الإدريسي فترى أن «الفراغ السياسي والإحباط المتراكم لدى الشباب جعلا الاحتجاجات وسيلة طبيعية للتعبير عن السخط»، معتبرة أن «الأحزاب مطالبة بتجديد خطابها والانفتاح على لغة الجيل الجديد قبل فوات الأوان».
من جهته، يؤكد الناشط المدني عبد الإله المريني، أن «جيل زد لم يخرج للفوضى، بل للتعبير عن وعي جديد يطالب بإصلاح جذري في علاقة المواطن بالمؤسسات»، مشيرًا إلى أن «الشباب اليوم لا يبحث عن حزب يقوده، بل عن دولة تصغي إليه، ومؤسسات تفي بوعودها».
وهكذا، لم تكن احتجاجات «زد» مجرد موجة عابرة، بل مرآة عكست عمق أزمة الثقة الَّتِي تضرب المنظومة الحزبية المغربية. فكل الشعارات الَّتِي رفعت في الشارع الطنجاوي تختصر مطلبًا واحدًا: الكرامة والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. وبينما تحاول الأحزاب احتواء الموقف بخطابات تصالحية، يؤكد المراقبون أنَّ جيل اليوم فرض أجندته، وأن مَن لا يصغي إليه الآن قد يجد نفسه غدًا خارج التاريخ السياسي للمغرب.