آخر الأخبار

جهة طنجة – تطوان – الحسيمة تستقطب عُشر الاستثمارات العمومية بالمغرب لكنها غارقة في التفاوت المجالي.. هل تعكس الأرقام الواقع الاقتصادي الحقيقي للمنطقة؟

العديد‭ ‬من‭ ‬أقاليمها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تعاني‭ ‬البطالة‭ ‬والهشاشة‭ ‬والهشاشة‭ ‬الاجتماعية‭.. ‬و20‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬استثمارات‭ ‬مستقبلية

تستعد‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة‭ ‬لاستقبال‭ ‬استثمارات‭ ‬بقيمة20,67‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2027،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬البرامج‭ ‬الاستثمارية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬والمقاولات‭ ‬العمومية‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الوثائق‭ ‬المرفقة‭ ‬بمشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬للسنة‭ ‬المقبلة،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يضع‭ ‬الجهة‭ ‬ضمن‭ ‬المجالات‭ ‬الترابية‭ ‬الرئيسية‭ ‬المستفيدة‭ ‬من‭ ‬المجهود‭ ‬الاستثماري‭ ‬الوطني‭.‬

لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬يكشف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬مرتقب‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنة‭ ‬الجارية،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والنقل‭ ‬والصناعة‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬وما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬جغرافي‭ ‬استراتيجي‭ ‬عند‭ ‬ملتقى‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬والمحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وعلى‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬الأوروبية‭.‬

وتطرح‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬تساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬مدى‭ ‬تناسب‭ ‬حصة‭ ‬الجهة‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬مع‭ ‬وزنها‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الرساميل‭ ‬الخاصة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّها‭ ‬تحوَّلت‭ ‬‮«‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأقطاب‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭ ‬بالمملكة،‭ ‬بفضل‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬والمنظومات‭ ‬الصناعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسيارات‭ ‬والنسيج‭ ‬والصناعات‭ ‬الغذائية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شبكة‭ ‬الطرق‭ ‬السيارة‭ ‬والسكك‭ ‬الحديدية‭ ‬والخط‭ ‬فائق‭ ‬السرعة‭.‬

لكنَّ‭ ‬تقييم‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬يتطلب‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬المبرمجة،‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الخاصة‭ ‬المنجزة،‭ ‬والقيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬الجهة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬توزيع‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬بين‭ ‬أقاليمها‭ ‬ومدنها‭.‬

*استثمارات‭ ‬2027‭..‬‭ ‬المرتبة‭ ‬الرابعة‭ ‬وطنيًا‭ ‬وتراجع‭ ‬يقارب‭ ‬10%

تكشف‭ ‬معطيات‭ ‬التقرير‭ ‬بشأن‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمقاولات‭ ‬العمومية،‭ ‬المرفق‭ ‬بمشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027،‭ ‬أنَّ‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ – ‬تطوان‭ – ‬الحسيمة‭ ‬ستستحوذ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬9,9%‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المرتقبة‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والبالغة‭ ‬وطنيا‭ ‬209,16‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬دون‭ ‬احتساب‭ ‬استثمارات‭ ‬صندوق‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬للاستثمار،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬الجهة‭ ‬المرتبة‭ ‬الرابعة‭ ‬وطنيًّا،‭ ‬خلف‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ – ‬سطات،‭ ‬والرباط‭ – ‬سلا‭ – ‬القنيطرة،‭ ‬ومراكش‭ – ‬آسفي،‭ ‬وفق‭ ‬الأرقام‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمالية‭ ‬والنجاعة‭ ‬العمومية‭ ‬ضمن‭ ‬وثائق‭ ‬المشروع‭.‬

وتشير‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬سنة‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المتوقّعة‭ ‬بالجهة‭ ‬ستتراجع‭ ‬بنسبة‭ ‬9,4%،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬22,81‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬أي‭ ‬بانخفاض‭ ‬يقارب‭ ‬2,14‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬وهو‭ ‬تراجع‭ ‬يفوق‭ ‬بكثير‭ ‬الانخفاض‭ ‬المسجل‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني؛‭ ‬حيث‭ ‬ستنتقل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الإجمالية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬والمقاولات‭ ‬العمومية‭ ‬من‭ ‬209,64‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬إلى‭ ‬209,16‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬تراجعًا‭ ‬محدودًا‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬0,23%‭.‬

ويبرز‭ ‬هذا‭ ‬التطوُّر‭ ‬اختلاف‭ ‬المسارات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬الأربع‭ ‬الأولى،‭ ‬إذ‭ ‬ستُحافظ‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭-‬سطات‭ ‬على‭ ‬الصدارة‭ ‬باستثمارات‭ ‬تناهز‭ ‬64,85‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬رغم‭ ‬انخفاضها‭ ‬بنسبة‭ ‬5,2%،‭ ‬فيما‭ ‬ستُعزّز‭ ‬الرباط‭-‬سل‭-‬القنيطرة‭ ‬موقعها‭ ‬الثاني‭ ‬بارتفاع‭ ‬استثماراتها‭ ‬بنسبة‭ ‬3,7%،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬36,71‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ستتراجع‭ ‬استثمارات‭ ‬مراكش‭-‬آسفي‭ ‬بنسبة‭ ‬13,8%،‭ ‬لتستقر‭ ‬عند‭ ‬23,56‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭.‬

ورغم‭ ‬حفاظ‭ ‬الجهة‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬ضمن‭ ‬الجهات‭ ‬الأربع‭ ‬الأكثر‭ ‬استقطابًا‭ ‬للاستثمارات‭ ‬العمومية،‭ ‬فإنَّ‭ ‬حصتها‭ ‬من‭ ‬المجموع‭ ‬الوطني‭ ‬ستنخفض‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬10,9%‭ ‬سنة‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬9,9%‭ ‬سنة‭ ‬2027،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬الحصة‭ ‬المجمعة‭ ‬للجهات‭ ‬الأربع‭ ‬من‭ ‬73,4%‭ ‬إلى‭ ‬69,7%،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬نسبيًّا‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬على‭ ‬مجالات‭ ‬ترابية‭ ‬أخرى‭.‬

وتُؤكّد‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬الارتفاعات‭ ‬المرتقبة‭ ‬في‭ ‬جهات‭ ‬الشرق‭ ‬بنسبة‭ ‬31,4%،‭ ‬ودرعة‭ – ‬تافيلالت‭ ‬بنسبة‭ ‬17,7%،‭ ‬وفاس‭ – ‬مكناس‭ ‬بنسبة‭ ‬17,2%،‭ ‬لكنَّ‭ ‬هذه‭ ‬التحوُّلات‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬الجاذبية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لجهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأرقام‭ ‬تخص‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬المبرمجة،‭ ‬ولا‭ ‬تشمل‭ ‬مجموع‭ ‬المشاريع‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬تراجع‭ ‬الاعتمادات‭ ‬قد‭ ‬يرتبط‭ ‬بجدولة‭ ‬المشاريع‭ ‬أو‭ ‬استكمال‭ ‬مراحل‭ ‬من‭ ‬أوراش‭ ‬سابقة‭.‬

ويكشف‭ ‬التقرير‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬تركيز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬78%‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬لدى‭ ‬تسعة‭ ‬فاعلين‭ ‬رئيسيين،‭ ‬يتقدمهم‭ ‬قطاع‭ ‬الشركات‭ ‬الجهوية‭ ‬متعددة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬باستثمارات‭ ‬تبلغ‭ ‬39,6‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬والمكتب‭ ‬الشريف‭ ‬للفوسفاط‭ ‬بقيمة‭ ‬31,31‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬والمكتب‭ ‬الوطني‭ ‬للسكك‭ ‬الحديدية‭ ‬بقيمة‭ ‬29,02‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬وهي‭ ‬برامج‭ ‬وطنية‭ ‬تختلف‭ ‬استفادة‭ ‬الجهات‭ ‬منها‭ ‬بحسب‭ ‬مواقعها‭ ‬وطبيعة‭ ‬البنيات‭ ‬المستهدفة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬تحديد‭ ‬نصيب‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مؤسسة‭ ‬ضروريًّا‭ ‬لتقييم‭ ‬طبيعة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الموجهة‭ ‬إليها‭.‬

*سنوات‭ ‬من‭ ‬التوسع‭ ‬الصناعي‭..‬مـــن‭ ‬الاستثمـــارات‭ ‬الكـبـــرى‭ ‬إلـى‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬الثروة‭ ‬الوطنية

لفهم‭ ‬موقع‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ – ‬تطوان‭ – ‬الحسيمة‭ ‬ضمن‭ ‬الخريطة‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬خصوصًا‭ ‬بإطلاق‭ ‬المركب‭ ‬المينائي‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬ثم‭ ‬استقرار‭ ‬مصنع‭ ‬رونو‭ ‬بملوسة،‭ ‬وتوسُّع‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تطوير‭ ‬شبكة‭ ‬النقل‭ ‬الطرقي‭ ‬والسككي،‭ ‬وهي‭ ‬مشاريع‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬شمال‭ ‬المملكة‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬مهمة‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والسياحة‭ ‬إلى‭ ‬قطب‭ ‬صناعي‭ ‬متكامل‭ ‬نسبيًّا‭.‬

وتظهر‭ ‬الحسابات‭ ‬الجهوية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬المندوبية‭ ‬السامية‭ ‬للتخطيط‭ ‬أنَّ‭ ‬الجهة‭ ‬أصبحت‭ ‬ثالث‭ ‬أكبر‭ ‬مساهم‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬الداخلي‭ ‬الخام‭ ‬الوطني،‭ ‬بحصة‭ ‬بلغت‭ ‬10,7%‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬خلف‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ – ‬سطات‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬بنسبة‭ ‬32,3%،‭ ‬والرباط‭-‬سلا‭-‬القنيطرة‭ ‬بنسبة‭ ‬15,5%،‭ ‬ومتقدمة‭ ‬على‭ ‬مراكش‭ – ‬آسفي‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬مساهمتها‭ ‬8,7%،‭ ‬وفاس‭ – ‬مكناس‭ ‬بنسبة‭ ‬8,2%‭.‬

وتكتسي‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة؛‭ ‬لأنها‭ ‬تظهر‭ ‬أن‭ ‬الجهة‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الثروة‭ ‬الوطنية‭ ‬بنسبة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬حصتها‭ ‬المرتقبة‭ ‬من‭ ‬استثمارات‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمقاولات‭ ‬العمومية‭ ‬سنة‭ ‬2027،‭ ‬بفارق‭ ‬يقارب‭ ‬0,8%،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬اختلاف‭ ‬طبيعة‭ ‬المؤشرين‭ ‬والفترة‭ ‬المرجعية‭ ‬لكل‭ ‬منهما،‭ ‬إذ‭ ‬يتعلق‭ ‬الأول‭ ‬بالقيمة‭ ‬المضافة‭ ‬المنتجة‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬بينما‭ ‬يقيس‭ ‬الثاني‭ ‬الاعتمادات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬العمومية‭ ‬المتوقعة‭ ‬بعد‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭.‬

وكانت‭ ‬الجهة‭ ‬قد‭ ‬سجلت‭ “‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2023‭” ‬نموًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬بنسبة‭ ‬4,9%،‭ ‬متجاوزة‭ ‬المتوسط‭ ‬الوطني‭ ‬البالغ‭ ‬3,7%،‭ ‬وفق‭ ‬المندوبية‭ ‬السامية‭ ‬للتخطيط،‭ ‬التي‭ ‬ربطت‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬أساسًا‭ ‬بتطوُّر‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬التحوُّل‭ ‬التدريجي‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬واتِّساع‭ ‬دور‭ ‬الأنشطة‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬نموها‭ ‬الاقتصادي‭.‬

ويُشكّل‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المؤشرات‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبح‭ ‬مركزًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬للتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وربط‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬الصناعية‭ ‬بالأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬إذ‭ ‬تظهر‭ ‬معطيات‭ ‬مجموعة‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬أن‭ ‬المركب‭ ‬عالج‭ ‬نحو‭ ‬12,42‭ ‬مليون‭ ‬حاوية‭ ‬مكافئة‭ ‬لعشرين‭ ‬قدمًا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عبور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬562‭ ‬ألف‭ ‬شاحنة‭ ‬للنقل‭ ‬الدولي،‭ ‬وهو‭ ‬نشاط‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬المبادلات‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬تمرُّ‭ ‬عبر‭ ‬البوابة‭ ‬البحرية‭ ‬الشمالية‭ ‬للمملكة‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الصناعي،‭ ‬تشير‭ ‬معطيات‭ ‬المجموعة‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬احتضان‭ ‬منظومتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬نحو‭ ‬1500‭ ‬فاعل،‭ ‬وتحقيق‭ ‬المقاولات‭ ‬المستقرة‭ ‬بمناطقها‭ ‬رقم‭ ‬معاملات‭ ‬إجماليا‭ ‬بلغ‭ ‬188‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬327‭ ‬ألف‭ ‬سيارة‭ ‬بمصنع‭ ‬رونو،‭ ‬وتصدير‭ ‬نحو‭ ‬127‭ ‬ألف‭ ‬سيارة‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬ستيلانتيس‭ ‬عبر‭ ‬المنظومة‭ ‬المينائية،‭ ‬وهي‭ ‬أرقام‭ ‬تبرز‭ ‬حجم‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي‭ ‬والبنية‭ ‬اللوجستية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬مجموع‭ ‬هذه‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ينتج‭ ‬داخل‭ ‬حدود‭ ‬الجهة‭ ‬وحدها‭.‬

وتُوضّح‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الجهوي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطًا‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬السنوية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يستند‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬رصيد‭ ‬تراكمي‭ ‬من‭ ‬التجهيزات‭ ‬والمنشآت‭ ‬الصناعية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الخاصة،‭ ‬التي‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬والصادرات‭ ‬وفرص‭ ‬الشغل،‭ ‬لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يطرح‭ ‬بدوره‭ ‬تحدِّيات‭ ‬تتعلق‭ ‬بمدى‭ ‬إدماج‭ ‬المقاولات‭ ‬المحلية‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الطلب‭ ‬الذي‭ ‬تخلقه‭ ‬الشركات‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تمركز‭ ‬الأنشطة‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭ ‬في‭ ‬محور‭ ‬طنجة‭ – ‬القصر‭ ‬الصغير‭ – ‬ملوسة،‭ ‬مقابل‭ ‬اختلاف‭ ‬مستويات‭ ‬التجهيز‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬تطوان‭ ‬والحسيمة‭ ‬وشفشاون‭ ‬ووزان‭ ‬والعرائش‭ ‬والفحص‭ ‬أنجرة،‭ ‬يطرح‭ ‬مسألة‭ ‬التوازن‭ ‬المجالي‭ ‬داخل‭ ‬الجهة،‭ ‬ومدى‭ ‬انتقال‭ ‬المكاسب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الأقاليم،‭ ‬بدل‭ ‬اقتصار‭ ‬تأثيرها‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الميناء‭ ‬والمنصات‭ ‬الصناعية‭.‬

*الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والبنيات‭ ‬التحتية‭..‬‭ ‬هل‭ ‬تحصل‭ ‬الجهة‭ ‬على‭ ‬استثمارات‭ ‬تناسب‭ ‬إمكاناتها؟‭ ‬

تتمتع‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ – ‬تطوان‭ – ‬الحسيمة‭ ‬بموقع‭ ‬جغرافي‭ ‬يصعب‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬فهي‭ ‬تشرف‭ ‬على‭ ‬واجهتين‭ ‬بحريتين،‭ ‬وتُوجد‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬أوروبا،‭ ‬وتحتضن‭ ‬أحد‭ ‬أهمّ‭ ‬الموانئ‭ ‬المتوسطية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ارتباطها‭ ‬بشبكة‭ ‬الطرق‭ ‬السيارة‭ ‬والقطار‭ ‬فائق‭ ‬السرعة‭ ‬والمطارات،‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬تمنحها‭ ‬مزايا‭ ‬تنافسية‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬الصناعات‭ ‬الموجهة‭ ‬للتصدير،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الأنشطة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬التسليم‭ ‬وتقليص‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والاندماج‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬الأوروبية‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬تبدو‭ ‬حصة‭ ‬9,9%‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬الوطنية‭ ‬أقل‭ ‬نسبيًّا‭ ‬من‭ ‬مساهمة‭ ‬الجهة‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬الداخلي‭ ‬الخام،‭ ‬لكنَّها‭ ‬لا‭ ‬تُشكّل‭ ‬بالضرورة‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬ضعف‭ ‬الاستثمار‭ ‬فيها؛‭ ‬لأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الجهوي‭ ‬يستفيد‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬استثمارات‭ ‬الشركات‭ ‬الخاصة‭ ‬والمشاريع‭ ‬الصناعية‭ ‬الأجنبية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬توزيع‭ ‬الاستثمار‭ ‬العمومي‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬حصريًّا‭ ‬للوزن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحالي،‭ ‬بل‭ ‬يرتبط‭ ‬أيضًا‭ ‬بالحاجيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتجهيزية‭ ‬وبأهداف‭ ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭.‬

ويطرح‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬سؤالًا‭ ‬يتعلق‭ ‬بطبيعة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حجمها؛‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬الأولوية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬راكمت‭ ‬تجهيزات‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬النقل‭ ‬والصناعة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬مضاعفة‭ ‬المشاريع‭ ‬الضخمة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬مردودية‭ ‬البنيات‭ ‬القائمة،‭ ‬وتطوير‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬والموانئ‭ ‬والمراكز‭ ‬الحضرية،‭ ‬وتوفير‭ ‬العقار‭ ‬الصناعي‭ ‬المجهز،‭ ‬وتعزيز‭ ‬خِدْمات‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬والتطهير،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬باستقبال‭ ‬أنشطة‭ ‬إنتاجية‭ ‬جديدة‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬أعلى‭.‬

وتبرز‭ ‬كذلك‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الرأسمال‭ ‬البشري،‭ ‬خصوصًا‭ ‬التكوين‭ ‬المهني‭ ‬والهندسي‭ ‬والتخصصات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بصناعة‭ ‬السيارات‭ ‬والإلكترونيات‭ ‬واللوجستيك‭ ‬والرقمنة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬الجهة‭ ‬على‭ ‬استقبال‭ ‬وحدات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتجميع،‭ ‬بل‭ ‬يمتدّ‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬والهندسة‭ ‬والخِدْمات‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وهي‭ ‬مجالات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬الثروة‭ ‬الوطنية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬بزيادة‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المادية‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الترابي،‭ ‬يظلُّ‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تحديًّا‭ ‬أساسيًّا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عبر‭ ‬تحسين‭ ‬الربط‭ ‬الطرقي‭ ‬واللوجستي‭ ‬مع‭ ‬الأقاليم‭ ‬الأقل‭ ‬اندماجًا‭ ‬في‭ ‬المحور‭ ‬الصناعي‭ ‬الرئيسي،‭ ‬ودعم‭ ‬الاستثمار‭ ‬السياحي‭ ‬والفلاحي‭ ‬والصناعات‭ ‬الغذائية‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتنويع‭ ‬القاعدة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتخفيف‭ ‬التفاوت‭ ‬بين‭ ‬المراكز‭ ‬الساحلية‭ ‬الكبرى‭ ‬والمناطق‭ ‬الداخلية‭ ‬والجبلية‭.‬

ويكتسي‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬أهمية‭ ‬إضافية‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬التحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي؛‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصناعية‭ ‬مرتبطة‭ “‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الموقع‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بتوفر‭ ‬الطاقة‭ ‬منخفضة‭ ‬الكربون‭ ‬والموارد‭ ‬المائية‭ ‬والمهارات‭ ‬التقنية‭ ‬واستقرار‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭” ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬تستدعي‭ ‬توجيه‭ ‬جزءٍ‭ ‬من‭ ‬المجهود‭ ‬الاستثماري‭ ‬نحو‭ ‬رفع‭ ‬قدرة‭ ‬الجهة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬المتطلبات‭ ‬الجديدة‭ ‬للأسواق‭ ‬الأوروبية‭ ‬والدولية‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬قياس‭ ‬فعالية‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬يستوجب‭ ‬تجاوز‭ ‬المقارنة‭ ‬السنوية‭ ‬بين‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المبرمجة،‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬تتبع‭ ‬نسب‭ ‬الإنجاز‭ ‬الفعلي‭ ‬وآثار‭ ‬المشاريع‭ ‬على‭ ‬التشغيل‭ ‬والقيمة‭ ‬المضافة‭ ‬والإنتاجية‭ ‬وجودة‭ ‬الخِدْمات،‭ ‬مع‭ ‬إتاحة‭ ‬توزيع‭ ‬أكثر‭ ‬تفصيلًا‭ ‬للاستثمارات‭ ‬بحسب‭ ‬الأقاليم‭ ‬والقطاعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المنفذة،‭ ‬حتى‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬العمومي،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تدخلات‭ ‬إضافية‭.‬

وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬تكشف‭ ‬معطيات‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬اقتصادي‭ ‬مزدوج‭ ‬للجهة،‭ ‬فهي‭ ‬تحتلُّ‭ ‬المرتبة‭ ‬الثالثة‭ ‬وطنيًّا‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الثروة‭ ‬وفق‭ ‬الحسابات‭ ‬الجهوية‭ ‬لسنة‭ ‬2024،‭ ‬لكنها‭ ‬تأتي‭ ‬رابعة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المتوقعة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬والمقاولات‭ ‬العمومية،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬انخفاض‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬مقارنة‭ ‬بسنة‭ ‬2026،‭ ‬وهو‭ ‬تفاوت‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬وحده‭ ‬باستخلاص‭ ‬وجود‭ ‬اختلال‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد،‭ ‬لكنَّه‭ ‬يفتح‭ ‬النقاش‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬السياسات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬الوزن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للجهة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬تنافسيتها،‭ ‬وضمان‭ ‬استفادة‭ ‬مختلف‭ ‬أقاليمها‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬مراكزها‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭.‬

*التفاوت‭ ‬المجالي‭..‬‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬لا‭ ‬تنهي‭ ‬تحديات‭ ‬البطالة‭ ‬والهشاشة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬

رغم‭ ‬المكانة‭ ‬المتقدمة‭ ‬التي‭ ‬تحتلها‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ – ‬تطوان‭ – ‬الحسيمة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬فإنَّ‭ ‬توزيع‭ ‬ثمار‭ ‬النمو‭ ‬والاستثمارات‭ ‬بين‭ ‬أقاليمها‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يطرح‭ ‬تحدِّيات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالتفاوتات‭ ‬المجالية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬إذ‭ ‬تتركز‭ ‬أبرز‭ ‬المشاريع‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭ ‬في‭ ‬محور‭ ‬طنجة‭ – ‬القصر‭ ‬الصغير‭ – ‬ملوسة،‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬واستقطاب‭ ‬الأنشطة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الوزن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الإجمالي‭ ‬للجهة‭ ‬غير‭ ‬كافٍ‭ ‬لقياس‭ ‬مستوى‭ ‬التنمية‭ ‬الذي‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬ساكنتها‭.‬

وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬الفحص‭ ‬أنجرة،‭ ‬الذي‭ ‬يحتضن‭ ‬المركب‭ ‬المينائي‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭ ‬ولوجستية‭ ‬تستقطب‭ ‬استثمارات‭ ‬بمليارات‭ ‬الدراهم،‭ ‬لكنَّ‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬المنشآت‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬استفادة‭ ‬جميع‭ ‬الجماعات‭ ‬القروية‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬التشغيل‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والتجهيزات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّ‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬يرتبط‭ ‬بكفاءات‭ ‬تقنية‭ ‬ومهنية‭ ‬محددة،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للميناء‭ ‬يمتدُّ‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المقاولات‭ ‬خارج‭ ‬الإقليم،‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬إشكالية‭ ‬تعزيز‭ ‬الإدماج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للساكنة‭ ‬المحلية‭.‬

وفي‭ ‬الحسيمة،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحدِّيات‭ ‬التشغيل‭ ‬وتنويع‭ ‬القاعدة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬مطروحة،‭ ‬رغم‭ ‬المشاريع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتأهيل‭ ‬الحضري‭ ‬والبنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والسياحة‭ ‬والصيد‭ ‬البحري؛‭ ‬حيث‭ ‬يظلُّ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬محتاجًا‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬منتجة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬مستدامة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬للشباب‭ ‬وحاملي‭ ‬الشهادات،‭ ‬وتقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأنشطة‭ ‬الموسمية‭ ‬والخِدْمات،‭ ‬وهي‭ ‬تحدِّيات‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬وضعية‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬بالجهة،‭ ‬مثل‭: ‬شفشاون،‭ ‬ووزان؛‭ ‬حيث‭ ‬تفرض‭ ‬الطبيعة‭ ‬الجغرافية‭ ‬وضعف‭ ‬النسيج‭ ‬الصناعي‭ ‬قيودًا‭ ‬إضافيةً‭ ‬على‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

أما‭ ‬تطوان‭ ‬وعمالة‭ ‬المضيق‭ – ‬الفنيدق،‭ ‬فتواجهان‭ ‬تحدِّيات‭ ‬خاصة‭ ‬ترتبط‭ ‬بالتحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬عقب‭ ‬توقف‭ ‬أنشطة‭ ‬التهريب‭ ‬المعيشي‭ ‬عبر‭ ‬المعابر‭ ‬الحدودية‭ ‬مع‭ ‬سبتة،‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬مصادر‭ ‬دخل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬فئات‭ ‬كانت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬الحدودية،‭ ‬رغم‭ ‬إطلاق‭ ‬برامج‭ ‬لدعم‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬البديلة،‭ ‬وقد‭ ‬أعادت‭ ‬أحداث‭ ‬أواخر‭ ‬يوليوز‭ ‬2026،‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬محاولات‭ ‬جماعية‭ ‬للهجرة‭ ‬نحو‭ ‬سبتة،‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتطلعات‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬فرص‭ ‬اقتصادية‭ ‬أفضل،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬العوامل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدوافع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالهجرة‭.‬

ويطرح‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬مسألة‭ ‬قياس‭ ‬الأثر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للاستثمارات،‭ ‬وليس‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بحجم‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬عدد‭ ‬المشاريع‭ ‬المنجزة،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬تحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬يقتضي‭ ‬توجيه‭ ‬استثمارات‭ ‬إضافية‭ ‬نحو‭ ‬الأقاليم‭ ‬الأقل‭ ‬استفادة‭ ‬من‭ ‬الدينامية‭ ‬الصناعية،‭ ‬وتحسين‭ ‬الربط‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬المراكز‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى،‭ ‬ودعم‭ ‬المقاولات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬والتكوين‭ ‬المهني‭ ‬الملائم‭ ‬لحاجيات‭ ‬سوق‭ ‬الشغل،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتحويل‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬تحققه‭ ‬الجهة‭ ‬إلى‭ ‬فرص‭ ‬تشغيل‭ ‬وتحسُّن‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬عيش‭ ‬الساكنة،‭ ‬ويقلص‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬المجالات‭ ‬المستفيدة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬وباقي‭ ‬المناطق‭.‬

Exit mobile version