إقتصاد
بين مطرقة «الفيضانات» وسندان «المضاربين».. هواجس التموين تؤرق المغاربة مع اقتراب رمضان
لا تزال هواجس التموين تؤرق مضاجع المغاربة مع اقتراب المواعيد الدينية الكبرى، حيث تتقاطع في الأفق القريب تحديات المناخ المتمثلة في شبح الفيضانات مع متطلبات الاستهلاك الواسع خلال شهر رمضان وعيد الأضحى.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن استقرارًا في الأسعار، تبرز المخاوف من أن تتحوَّل التقلبات الجوية إلى «شماعة» جديدة يعلق عليها المضاربون والوسطاء مبرراتهم لرفع سقف الأثمان، خاصة أنَّ الذاكرة الجمعية المغربية لا تزال تحتفظ بصور انقطاع الطرق في المناطق القروية والنائية بسبب السيول، مما يعزل أسواق الجملة عن مراكز إنتاجها، ويخلق خصاصًا مفاجئًا يربك حسابات الأسر البسيطة.
ومع تزامن هذه التوقعات المناخية مع ذروة الطلب في شهر الصيام، يطرح السؤال الجوهري حول مدى قدرة سلاسل التوريد الوطنية على الصمود أمام «نكسات» الطبيعة، خاصّةً في ظل الاعتماد المفرط على مسالك طرقية غالبًا ما تنهار أمام أول اختبار لمقاييس التساقطات الاستثنائية.
إنَّ المتأمل في بنية الأسواق المغربية يدرك أن «لوجستيك» التموين لا يزال يعاني هشاشةً بنيويةً تظهر جليًا كلما غضبت السماء؛ فالمحاصيل الزراعية التي يعول عليها لتأمين مائدة الإفطار الرمضانية، من خضر وفواكه، تصبح رهينة لسلامة القناطر والطرق الوطنية والجهوية.
فإذا ما غمرت الفيضانات ضيعات الغرب أو سوس أو العرائش، فإنَّ النتيجة الحتمية هي تعثر وصول الشاحنات إلى السوق، لتبدأ رحلة البحث عن الطماطم والبصل بأسعار «كاوية». وما يزيد الطين بلة هو غياب سياسة واضحة للتخزين والتدبير العقلاني للمخزونات الاحتياطية التي يمكن أن تمتصّ صدمات العرض والطلب في حالات القوة القاهرة.
هذا الوضع يفتح الباب على مصراعيه أمام «شناقة» الأزمات الذين يتربصون بكل قطرة مطر زائدة لتحويلها إلى أرباح طائلة على حساب القدرة الشرائية للمواطن الذي أنهكته أصلًا موجات التضخم المتتالية. وبالانتقال إلى ملف عيد الأضحى، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ فالقطيع الوطني الذي يعد عصب هذه الشعيرة الدينية، يتأثر تأثيرًا مباشرًا بفيضانات المراعي أو بصعوبة التنقل بين الأقاليم.
فالسيول لا تهدد فقط بضياع رؤوس الأغنام في المناطق المنخفضة، بل تؤدي إلى ارتفاع مهول في تكاليف النقل والأعلاف نتيجة تعطل المسالك، وهو ما يترجم فورا في «الشناقة» بزيادات صاروخية في أثمنة الأضاحي.
إنَّ التداخل بين ما هو مناخي وما هو تجاري يفرض على السلطات الوصية الخروج من منطق «الطمأنة الشفوية» إلى منطق التدبير الاستباقي، عبر تأمين مسارات بديلة وضمان انسيابية السلع مهما كانت الظروف الجوية، بدلا من ترك المستهلك وحيدا في مواجهة جشع السوق وقسوة المناخ.
إن الرهان الحقيقي اليوم يتجاوز مجرد توفير السلع فوق الرفوف، بل يمتدّ إلى كيفية حمايتها من تقلبات «المزاج المناخي» ومن استغلال الوسطاء. فالمغاربة الذين يستعدون لاستقبال رمضان بقدسية خاصة، وعيد الأضحى بفرحة مشوبة بالحذر المالي، لا يريدون أن يسمعوا مجددًا أسطوانة «الاضطرابات الجوية» كعذر لندرة المواد الأساسية.
إن المطلوب هو رؤية مندمجة تربط بين التوقعات الرصدية ومخططات التموين، بحيث يتم توجيه المخزونات نحو المناطق الأكثر عرضة للعزلة قبل وقوع الكارثة، وتكثيف الرقابة على مخازن التبريد التي تتحول في كثير من الأحيان إلى «ملاجئ» للاحتكار بدل أن تكون صمامات أمان للمجتمع.
وفي غياب هذا النفس الاستباقي، ستظل مائدة المغربي رهينين ليس فقط بما تجود به السماء، بل بما تخطط له لوبيات السوق في ليل الظروف الاستثنائية.


