سياسة

بيجيدي طنجة.. من الفشل إلى محاولة ركوب احتجاجات «جيل Z» لاستعادة بريقه المفقود

يعيش المشهد السياسي بمدينة طنجة على إيقاع توتر جديد بعدما حاول حزب العدالة والتنمية استثمار موجة احتجاجات الشباب المعروفة باسم «جيل Z» لإعادة التموضع داخل الساحة السياسية، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات حول نيّاته الحقيقية ومدى مصداقية مواقفه تجاه المطالب الاجتماعية التي يرفعها المحتجون.

فمنذ اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، التي خرج فيها مئات الشباب في مدن عدّة، من بينها طنجة، للمطالبة بالصحة والتعليم، سارع حزب العدالة والتنمية إلى إعلان تضامنه مع المحتجين، محملًا الحكومة الحالية مسؤولية ما وصفه بـ«الفشل في معالجة هموم المواطنين»، ومعتبرًا أن الاحتجاجات «نتيجة طبيعية لسياسات اللامبالاة».

غير أنَّ هذا الموقف لم يمرّ دون إثارة جدلٍ واسعٍ، خاصّةً في الأوساط السياسية والمدنية بالمدينة، إذ رأى كثيرون أن الحزب يسعى إلى  «الركوب» على موجة الغضب الشعبي لاستعادة جزءٍ من رصيده المفقود بعد تراجع شعبيته في الانتخابات الأخيرة.

مصادر من داخل المشهد المحلي بطنجة، أوضحت أنَّ عددًا من القيادات الجهوية للحزب كثّفت في الأيام الأخيرة حضورها الإعلامي، محاولةً تقديم نفسها كصوت المدافعين عن فئات الشباب، فيما اعتبرت أطراف أخرى أن هذه التحرُّكات ليست سوى محاولة متأخرة لإعادة تسويق الحزب الذي فقد بريقه منذ خروجه من رئاسة الحكومة، وتقلَّص نفوذه في أغلب المجالس المنتخبة، بما فيها مجلس جماعة طنجة.

في المقابل، لم تُخف قيادات العدالة والتنمية، أنَّ الحزب  «يتابع بقلق» الأوضاع الاجتماعية، وأن موقفه  «نابع من التزامه المبدئي بحق المواطنين في التعبير السلمي»، لكنَّ المتابعين يرون أنَّ الحزب يحاول استعادة المبادرة من خارج المؤسَّسات بعدما فشل خلال تجربته الحكومية في تحقيق وعوده المتعلقة بتشغيل الشباب وتحسين الخِدْمات الاجتماعية.

فالمطالب التي يرفعها اليوم المحتجون هي ذاتها التي كان الحزب يتعهّد بتحقيقها عندما كان على رأس الحكومة، وهو ما يجعل خطاب التعاطف الذي يرفعه اليوم موضع تشكيك واسع في الشارع.

في طنجة، حيث تتجلَّى بوضوح حدّة الأزمة الاجتماعية، بدا واضحًا أن محاولات الحزب لإعادة بناء حضوره الميداني لم تلقَ تجاوبًا كبيرًا من طرف الشباب المحتج، إذ يعتبر الكثيرون أن الجيل الجديد من الناشطين لا يثق في الأحزاب التقليدية، وأن حركته مستقلة عن أي تأطير سياسي.

عدد من النشطاء المحليين أكَّدوا أن الحزب يحاول، «استثمار تعبئة الشارع دون أن يملك أي مشروع بديل»، مشيرين إلى أن بياناته المتكرّرة حول الاحتجاجات لا تتجاوز حدود المناورة الإعلامية. في المقابل، يرى المدافعون عن العدالة والتنمية، أن الحزب «يتعرض لحملة استهداف منظمة»، وأنه لم يفعل سوى ممارسة دوره الطبيعي كقوّة سياسية معارضة، تتابع الوضع وتُعبّر عن موقفها. لكن معارضيه يردّون بأن الحزب لم يكن ليتّخذ هذا الموقف لولا رغبته في إعادة التموقع استعدادًا للاستحقاقات المقبلة، خصوصا بعد تراجع تأثيره في الشارع الطنجاوي الذي كان في وقت سابق أحد أهم معاقله الانتخابية.

ويستحضر الكثير من الطنجاويين تجربة الحزب في تسيير المدينة خلال ولايته الجماعية السابقة، عندما وعد بالشفافية ومحاربة الفساد وتحسين الخِدْمات، قبل أن تنتهي تلك التجربة بسلسلة من الانتقادات المتعلّقة بسوء التدبير وتعثر المشاريع الكبرى.

لذلك، يعتبر متابعون للشأن المحلي، أن عودة الحزب اليوم بلباس المدافع عن الشباب  «تفتقر إلى المصداقية»، خاصّةً أن أغلب القضايا التي يحتجّ بشأنها الجيل الجديد من الطنجاويين تراكمت في فترة تسيير الحزب نفسه.

مصادر مطلعة من داخل المجلس الجماعي لطنجة، أكدت أن بعض المنتخبين المنتمين إلى العدالة والتنمية يحاولون، في الكواليس، تحريك النقاش داخل اللجان الجماعية حول موضوعات اجتماعية مرتبطة بالبطالة والسكن والنقل، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لبعث الحياة السياسية داخل التنظيم المحلي الذي فقد حيويته منذ الانتخابات الجماعية الماضية.

غير أن هذه التحركات تواجه فتورا داخل القواعد، التي ترى أن الحزب لم يُقدّم مراجعة حقيقية لأخطائه السابقة، ولم يُظهر أي تجديد في خطابه أو رموزه.

في الوقت نفسه، تُؤكّد مصادر من المجتمع المدني بطنجة أنَّ جزءًا كبيرًا من المحتجين يرفض أي محاولة لتسييس حركتهم، معتبرين أنَّ «جيل z» ليس تنظيما حزبيًا ولا واجهة لأي جهة، بل هو صوت شبابي يعبّر عن ضيق اجتماعي حقيقي.

ويُخشى، وفق المتتبّعين، أن تؤدي محاولات الأحزاب، وعلى رأسها العدالة والتنمية، إلى إفراغ هذه الاحتجاجات من مضمونها المدني وتحويلها إلى مادة انتخابية مبكرة.

ويرى محللون أن الحزب يعيش حاليا بين مطرقة الرغبة في العودة إلى الساحة وسندان فقدان الثقة الشعبية، مشيرين إلى أن قدرته على استعادة مكانته السابقة مرهونة بتقديم مراجعات صادقة واعتراف واضح بإخفاقات الماضي، بدل الاكتفاء بخطاب المظلومية أو التعاطف مع الشارع.

وفي انتظار ما ستؤول إليه التطورات، يبدو أن الشارع الطنجاوي أصبح أكثر حذرًا في تعامله مع الخطابات الحزبية، وأكثر وعيًا بضرورة الحفاظ على استقلالية حركته عن كل الأطراف السياسية، خاصّةً بعد أن تحولت بعض الأحزاب إلى متفرج ينتظر لحظة الغضب الشعبي ليظهر بمظهر المتعاطف.

وبين هذا وذاك، يظل السؤال الأبرز الذي يشغل بال الطنجاويين: هل تعلّم العدالة والتنمية من دروس الماضي، أم أنه لا يزال يبحث عن طريق العودة عبر ركوب موجات الاحتجاج الجديدة؟

 

Exit mobile version