القانون والناس
المراجعة الضريبية بين مطرقة القانون وهشاشة الواقع؟!

في خضم ما يشهده المجتمع المغربي من تباين في الاقتصاد الوطني ودخل الفرد، نجد أنَّ الحكومةَ المغربيةَ تتّجه نحو تقييم مداخلها الماليّة والرفع منها؛ من خلال مراجعة التقييم الضريبي، حيث إنَّه يتيح للمكلفين بالضرائب الاعتراض على التقييمات الضريبية والعقوبات المترتبة عليها من قبل الهيئة الاتِّحادية للضرائب. هذه المراجعة اختيارية وتُوفّر فرصةً للحصول على تقييم محايد من قبل مُوظّفين مستقلين في الهيئة لم يشاركوا في التدقيق الأولي. وتتمُّ المراجعة من قبل مُوظّفين مستقلين في الهيئة؛ لضمان الشفافية والعدالة، بالاستناد إلى الأدلة التي يتمُّ فحص الوقائع والوثائق التي قدمتها في أثناء التدقيق بعناية. حيث تتيح المراجعة إمكانية تصحيح الأخطاء التي قد تحدث في الإجراءات أو الحسابات أو تطبيق القوانين الضريبية.
فمن يمكنه تقديم طلب المراجعة الضريبية وكيف تتمّ وعلى أي أساس تتم هذه الأخيرة؟
فإن كان يحقّ للفرد طلب مراجعة التقييم الضريبي إذا كان يملك أدلةً معقولةً تُؤكّد:
*وجود تطبيق غير صحيح للقوانين الضريبية أو المعاهدات ذات الصلة.
*وقوع أخطاء في عملية التدقيق أو الحسابات الضريبية.
*تضمين التقييم لأخطاء في تقدير قيمة المعاملات الخاضعة للضريبة.
هذا من جهة ولكن من جهة أخرى يبقى السؤال المطروح حول التحصيل الضريبي قانونًا وواقعًا؟!
فمع اقتراب كل سنة من نهايتها، يعود موضوع المراجعات الضريبية إلى الواجهة ويثير النقاش بشأن الإضافات التي يُقدّمها للخزينة العامة، خاصّةً في ظل تنامي حاجة الدولة إلى الموارد الضرورية لتمويل المشروعات والأوراش الكبرى التي انخرطت فيها؛ استعدادًا للتحدّيات والاستحقاقات المنتظرة.
فهذه المراجعات للضريبية لرجال الأعمال والمنعشين العقاريين في عددٍ من المدن، التي تعرف رواجًا اقتصاديًّا كبيرًا، مثل الدار البيضاء وطنجة والرباط ومراكش، الأمر الذي يُعزّز هذا المعطى ويُكرّس الفرضية التي يؤمن بها كثير من المغاربة والباحثين أيضًا.
إنَّ الاقتصاد الوطني المغربي يعول -في السنوات الأخيرة- كثيرًا على التحصيل الضريبي من أجل تمويل مجموعة من الأوراش المفتوحة، وتمويل ميزانية الدولة. لكن المراجعة الضريبية للبائع لعقاره في حالة العوز ما محله من الإعراب في هذه المراجعة، خصوصًا أنَّه عند بيع عقاره يلجأ للمُوثّق الذي يحدد له ثمن عقاره لكن عند المراجعة الضريبية؟!
وحيث إنَّ الاقتصاد الوطني المغربي يعول “في السنوات الأخيرة” كثيرًا على التحصيل الضريبي؛ من أجل تمويل مجموعة من الأوراش المفتوحة، وتمويل ميزانية الدولة. لكن المراجعة الضريبية للبائع لعقاره في حالة العوز ما محله من الإعراب في هذه المراجعة؟!
خصوصًا أنّه عند بيع عقاره يلجأ للموثق الذي يحدد له ثمن عقاره لكن عند المراجعة الضريبية؟! وحيث إنَّه بالتحصيل الضريبي؛ ضاعفت الدولة مداخيل الضرائب تقريبًا بين 2021 و2025، عن طريق المراجعات الضريبية، بالإضافة إلى الإصلاح الجبائي. بيد أن المراجعات الضريبية تخضع للسلطة التقديرية للخزينة في حين يتم بيع عقار معيّن عن طريق الموثق أو العدل بين صاحب الملك، الذي يحدد ثمن عقاره بمحض إرادته، وبين المشتري الذي يقبل بهذا الثمن أو يرفضه، مما يطرح مجموعة من التساؤلات لدى الفاعلين في هذا القطاع بعد أداء الضريبة على العقار.
حول ماهية الحقيقية للمراجعة الضريبية؟! هل تدخل في تحكّم الدولة في خصوصية البيع والشراء بين الأطراف أم هو تدخّل من أجل إخضاع القطاع لسلطة الملاءمة وعدم الاحتكار، أم هو تحكّم لا مباشر للدولة في زمام الأمور المالية والاقتصادية أم هي فقط دخل إضافي للدولة يتم عبر فرض مزيد من الضرائب لتحسين العدالة الضريبية؟! هذا من جهة. ومن جهة أخرى يبقى الإصلاح الجبائي الذي جاءت به الحكومة “فيما يتعلق بالضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة” وكذلك الضريبة على الشركات، مكنت خزينة المملكة من توفير مجموعة من الموارد التي مكنتها من أن تستجب لحاجيات التسيير والاستثمار والدين العمومي.
حيث إنَّ هذه الإجراءات تُوفّر نوعًا من العدالة الضريبية، لمنع ممارسة بعض المقاولات للغشّ الضريبي فيما تلتزم أخرى بأداء الضرائب ونطلب منها أن تبيع بالثمن نفسه.
وحيث إنَّ المراجعات الضريبية التي تقوم بها الحكومة، مع نهاية السنة، إذا كانت تسعى من خلالها إلى تحقيق الأهداف المرسومة في التحصيل الضريبي، وهدفها الأول هو تحقيق مداخل إضافية، غير أنَّ العاملين في القطاع غير المهيكل غير خاضعين لأداء الضرائب وممارسة الغش الضريبي، في مقابل المقاولات التي تُؤدّي الضرائب والتحملات الاجتماعية؛ من خلال توفير فرص الشغل وأداء حقوق العاملين.
لكن المراجعات الضريبية إذا كانت إجراءً إيجابيًّا لفلا ينبغي لها أن تسقط في الشطط عند استعماله والانتقاء في التعامل مع المقاولات واستهداف بعضها بالعودة عدة سنوات مضت بشكل متكرر.
في حين يجب على المراجعة الضريبية ألَّا تحصر أهدافها في جانب العائدات الضريبية فقط، بل يجب أن تستهدف مراقبة عمليات الشركات، وتبقى إجراءً عاديًّا في إطار القانون الجاري به العمل. ويجب أن تشمل حتّى الأجور والضريبة على الأجور، وما إذا كانت المقاولات تصرح بجميع الموظفين في الآجال المُحدّدة، ومدى وجود اختلالات تشوب هذه المسألة.
وحيث إنَّ المراجعة الضريبية هي تلك الآلية القانونية والدورية التي تضطلع بها المديرية العامة للضرائب لتصحيح الاختلالات «إن وجدت» والتحقّق من صحة التصريحات التي يدلي بها مصرحو الضرائب، وضمان امتثال المقاولات بجميع أصنافها والأفراد للقوانين الجبائية، يجب أن تشمل التدقيق في الوثائق المحاسباتية، والأجور، والأرباح العقارية، وتتبّع مساطر تواجهية تضمن حقّ الدفاع والطعن للملزم.
وحيث تتمُّ عبر مساطر تواجهية وشفّافة، تتيح للإدارة محاورة الملزم (المكلف) ومراجعة الأسس الضريبية، بعد تقديم إنذارين. وإن لم يتم مراجعة الأمر والوصول إلى تسوية ودية، يمكن للملزم الطعن أمام المحاكم بجميع درجاتها.
وحيث يحق للملزم تقديم وثائق الإثبات، وتقديم تفسيرات، واللجوء إلى اللجان الضريبية، والطعن أمام المحاكم المختصة في حالة النزاع.
المراجعة العقارية: تشهد تحديثًا مستمرًّا، خاصّةً مع قانون المالية 2023، الذي سعى إلى تحقيق «الأمان الضريبي» وتشجيع الاستثمار، مع رقابة صارمة على الأرباح العقارية.
تتقادم الديون العمومية والضرائب بمرور 4 سنوات من تاريخ الشروع في التحصيل، وفقًا لمدونة تحصيل الديون العمومية، التي تنصُّ «حسب مقتضيات المادة (123) منها» أي القانون رقم (15-97)، على أن إجراءات تحصيل الضرائب والرسوم تتقادم بمرور أربع سنوات من تاريخ الشروع في تحصيلها. ويسقط هذا التقادم حقّ الإدارة في المطالبة بالدين، ما لم يتّخذ أي إجراء قطعي للتحصيل (كالإنذار) خلال هذه المدة.
وينقطع التقادم المشار إليه في الفقرتين السابقتين بكل إجراء من إجراءات التحصيل الجبري يتمُّ بمسعى من المحاسب المكلف بالتحصيل، أو بإحدى الإجراءات المنصوص عليها في الفصلين (381) و (382) من الظهير بمنزلة قانون الالتزامات والعقود. ولا يحق لأي سلطة عمومية أو إدارية أن توقف أو تُؤجّل تحصيل الضرائب والرسوم والديون الأخرى، أو أن تُعرقل سيره العادي، تحت طائلة إثارة مسؤوليتها الشخصية المالية، وفق الشروط المحددة بشأن مسؤولية المحاسبين العموميين.
في حين أنه يمكن للمحاسب المكلف بالتحصيل أو لرئيس الإدارة، التي تنتمي إليها، أن يقبلا من المدينين تبرئة ذمتهم على أقساط، مقابل تقديم الضمانات المنصوص عليها في المادة (118) أعلاه.
وحيث إنَّ المحاسبين المكلفين بالتحصيل «الذين تركوا أجل التقادم يمرُّ دون القيام بإجراءات التحصيل» أو الذين شرعوا فيها ثم تخّلوا عنها إلى أن تقادمت الديون المعهود إليهم بتحصيلها، تسقط حقوقهم تجاه المدينين، غير أنهم يبقون مسؤولين تجاه الهيئات العمومية المعنية.
وإذا لم تُفضِ جميع طرق التنفيذ على أموال المدين «وعند الاقتضاء على شخصه» إلى تحصيل الديون العمومية، يُقترح إلغاء هذه الأخيرة بمبادرة من المحاسب المكلف بالتحصيل.
ويُقترح إلغاء الديون غير القابلة للتحصيل بواسطة قوائم معزّزة بالتبريرات الضرورية، يمكن أن تكون على شكل محضر عدم وجود ما يُحجز، أو محضر تفتيش، أو شهادة الغياب، أو شهادة العوز، ما لم يُنص على أحكام مخالفة. فمن له الحق في اتخاذ قرار قبول إلغاء الديون المترتبة عن المراجعة الضريبية؟ وكيف يتم هذا الإلغاء؟!
يتمُّ اقتراح إلغاء الديون غير القابلة للتحصيل بواسطة قوائم مُعزّزة بالتبريرات الضروريّة، يمكن أن تكون على شكل محضر عدم وجود ما يحجز، أو محضر تفتيش أو شهادة الغياب، أو شهادة العوز ما لم ينص على أحكام مخالفة… فإنّ من حقّه اتِّخاذ قرار قبول إلغاء الديون المترتبة عن المراجعة الضريبية، وكيف يتمُّ هذا الإلغاء؟! والرسوم والديون الأخرى، أو أن تعرقل سيره العادي، تحت طائلة إثارة مسؤوليتها.
المُشرّع المغربي قنَّن التحصيل الضريبي، حسب مقتضيات المادة (125)، واعتبر أنَّ المحاسبين المكلفين بالتحصيل «الذين تركوا أجل التقادم يمرّ دون القيام بإجراءات التحصيل أو الذين شرعوا فيها ثُم تخلوا عنها إلى أن تقادمت الديون المعهود إليهم بتحصيلها» تسقط حقوقهم تجاه المدينين، غير أنَّهم يبقون مسؤولين تجاه الهيئات العمومية المعنية. تاركًا ثغرةً قانونيةً يمكن أن تضرَّ بصالح المدين ومصالح الإدارة العمومية أيضًا.
في حين تطرَّق «من خلال مقتضيات المادة (126)» إلى أنّه إذا لم تُفضِ جميع طرق التنفيذ على أموال المدين وعند الاقتضاء على شخصه إلى تحصيل الديون العمومية، يقترح إلغاء هذه الأخيرة بمبادرة من المحاسب المكلف بالتحصيل.
ويتم اقتراح إلغاء الديون غير القابلة للتحصيل؛ بواسطة قوائم مُعزّزة بالتبريرات الضرورية يمكن أن تكون على الشكل التالي:
*محضر عدم وجود ما يحجز؛
*محضر التفتيش؛
*شهادة الغياب؛
*شهادة العوز.
ما لم ينص على أحكام مخالفة، يتمُّ اتخاذ قرار قبول الإلغاء من طرف:
*الوزير المكلف بالمالية أو الشخص الذي يفوّضه لذلك بالنسبة للدولة؛
*الأمر بالصرف بعد تأشيرة السلطة الوصية المختصة بالنسبة للجماعات المحلية وهيئاتها؛
*الأمر بالصرف بعد تأشيرة الوزير المكلف بالمالية بالنسبة للمؤسسات العمومية.
يُعدُّ بمنزلة قبول الإلغاء، انعدام ردّ السلطة المختصّة داخل أجل سنة؛ ابتداءً من تاريخ توصّلها بقوائم الديون غير القابلة للتحصيل.
يترتب عن قبول الإلغاء إبراء مسؤولية المحاسب المكلف بالتحصيل دون أن يؤدي ذلك إلى انقضاء دين المدين.
حيث إنَّ المُشرّع سمح للمحاسبين المكلفين بالتحصيل حقّ الاطّلاع على جميع الوثائق والمعلومات المتعلقة بالمدينين والمفيدة لتحصيل الديون العمومية. بالإضافة إلى المدين، الذي يمارس حقّ الاطّلاع المشار إليه في المادة السابقة.
وسامحت أيضًا:
*إدارات الدولة والجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية وكل هيئة أخرى خاضعة لمراقبة السلطة العمومية دون إمكانية إثارة السر المهني؛
*الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين تسمح لهم مهنتهم بالتدخُّل في المعاملات وتقديم الخِدْمات ذات الصبغة المالية أو القانونية أو المحاسبية، أو بحيازة ممتلكات أو أموال لحساب أغيار مدينين.
إلا أنه فيما يخصّ المهن الحرّة، لا ينصب حقّ الاطّلاع على الأداء الكلي بملفات زبنائهم المدينين بالضرائب والرسوم والديون العمومية الأخرى.
المادة (130)
يتعين على الهيئات والأشخاص المشار إليهم في المادة (129) أعلاه أن يقدّموا المعلومات المطلوبة كيفما كان سندها، داخل أجل خمسة عشر يومًا (15) وذلك بطلب من المحاسب المكلف بالتحصيل؛ ابتداءً من تاريخ الطلب الموجه إليهم.
مما يبقى معه التساؤل عن الأهمية الأساسية للتحصيل الضريبي للدولة الحقيقي والواقعي أي قانون يؤطر؟!