الجهة
العرائش.. حين تجتمع الجغرافيا والتاريخ والثروة والروح في إقليم واحد فالتنمية تصبح واجبًا وطنيًا لا خيارًا
هناك أقاليم تصنعها الجغرافيا، وأخرى يصنعها التاريخ؛ لكنَّ إقليم العرائش من الأقاليم القليلة التي اجتمعت فيها نعمة الجغرافيا وعظمة التاريخ وغنى الطبيعة وعمق الحضارة والروحانية. إنّه إقليم لا تنقصه المؤهلات، بل يحتاج إلى مشروعٍ تنمويٍّ كبيرٍ يليق بمكانته داخل المملكة المغربية الشريفة، ويحول إمكاناته الهائلة إلى ثروة حقيقية يستفيد منها المواطن والوطن.
فالعرائش تتوسط موقعًا استراتيجيًّا استثنائيًّا، يربط شمال المغرب بجنوبه، ويقع على مرمى حجر من القارة الأوروبية، بما يؤهلها لتكون بوابة اقتصادية ولوجستية كبرى بين إفريقيا وأوروبا. وهي ميزة جغرافية لا تزال دون مستوى الاستغلال الذي تستحقه.
وفي قلب الإقليم يمتدّ حوض اللوكوس، أحد أكبر وأخصب الأحواض الفلاحية بالمملكة، الذي جعل من العرائش قطبًا وطنيًّا لإنتاج الخضراوات والفواكه والفواكه الحمراء والحوامض. ويُشكّل مشروع القطب الفلاحي للوكوس فرصةً تاريخيةً لتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية، وخلق آلاف مناصب الشغل، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
أمَّا البحر، فقد منح العرائش واحدًا من أهم موانئ الصيد البحري بالمغرب، حيث تُشكّل الثروة السمكية «وعلى رأسها الأنشوبة والسردين» ركيزةً أساسيةً للاقتصاد المحلي. لكنَّ المرحلة المقبلة تستوجب توسعة ميناء العرائش وتحديث تجهيزاته ليصبح ميناءً تجاريًّا ولوجستيًّا وصناعيًّا أكثر قدرةً على استقطاب الاستثمارات، ومواكبة النمو الاقتصادي الذي تعرفه الجهة.
وقد أصبحت الصناعة «بدورها» أحد أعمدة الاقتصاد بالإقليم؛ من خلال وحدات تلفيف الفواكه الحمراء، والصناعات الغذائية، وتجميد الأسماك وتصبيرها، وهي مؤسسات تشغل آلاف العاملات والعمّال، لكنها تحتاج إلى مناطقَ صناعيةٍ جديدة، وربط أفضل بشبكات النقل، وتحفيز أكبر للمستثمرين، لكنّ العرائش ليست فقط أرض الاقتصاد، إنّها أيضًا أرض المجد المغربي.
فعلى ترابها يوجد موقع معركة وادي المخازن، المعركة الخالدة التي أعادت للمملكة المغربية الشريفة هيبتها ومجدها، ورسخت سيادتها بين الأمم، وغيَّرت موازين القوى في حوض البحر الأبيض المتوسط. إنَّ هذا الموقع التاريخي ليس مجرد ذكرى من الماضي، بل هو رصيدٌ حضاريٌّ وإنسانيٌّ يستحقُّ أن يتحوّل إلى معلمة تاريخية عالمية، ومركز للبحث العلمي، ووجهة للسياحة الثقافية والتاريخية.
كما يحتضن الإقليم موقع ليكسوس الأثري، أحد أقدم الحواضر التاريخية في العالم المتوسطي، شاهدًا على تعاقب الحضارات الفينيقية والرومانية والإسلامية، بينما يظلُّ ضريح القطب الرباني مولانا عبد السلام بن مشيش بجبل العلم، منارةً روحيةً يقصدها الزوّار من مختلف بقاع العالم، بما يؤهل العرائش لأن تُصبح عاصمة للسياحة الروحية والثقافية.
ويزخر الإقليم أيضًا بشواطئ نظيفة ورمال ذهبية، وغابات وارفة، وأنهار يتصدّرها نهر اللوكوس، ومناظر طبيعية آسرة تؤهله ليكون من أهم الوجهات البيئية والسياحية بالمغرب، لكنَّ هذه الكنوز الطبيعية لا تزال في حاجة إلى رؤية استثمارية حديثة تحافظ عليها وتثمنها.
وإذا كانت الثروات الطبيعية والتاريخية تُشكّل أساس التنمية، فإنَّ البنية التحتية هي مفتاح الإقلاع الحقيقي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشاريع استراتيجية كبرى، في مقدمتها إحداث محطة للقطار فائق السرعة بالقرب من مدينة العرائش، بما يربط الإقليم بالشبكة الوطنية الحديثة، ويُقرّب المسافات، ويشجع الاستثمار والسياحة.
كما أن جهة طنجة تطوان الحسيمة أصبحت في حاجة إلى رؤية جديدة للنقل الجوي، من خلال إنشاء مطار دولي كبير بين العرائش وطنجة، يستجيب للنمو الاقتصادي والديموغرافي المتسارع. فمطار ابن بطوطة «رغم أهميته» أصبح محاطًا بالتوسع العمراني، وقد لا يكون مستقبلًا قادرًا وحده على مواكبة حاجيات الجهة لعقود قادمة. ومن شأن مطار دولي جديد، في موقع استراتيجي بين العرائش وطنجة، أن يخدم ملايين المواطنين، ويُعزّز مكانة شمال المغرب كمنصة اقتصادية وسياحية دولية.
إن العرائش لا تطلب امتيازًا، بل تطالب بحقّها المشروع في التنمية، باعتبارها إقليمًا يمتلك كلَّ مقومات النجاح. فهي أرض الفلاحة، والبحر، والصناعة، والتاريخ، والروحانية، والسياحة، والموقع الجغرافي الفريد.
لقد آن الأوان لإطلاق رؤية ملكية وتنموية متكاملة لمولانا صاحب الجلالة الملك محمد السادس «نصره الله وأيده» تجعل من العرائش قطبًا اقتصاديًّا وسياحيًّا وثقافيًّا ولوجستيًّا، يرتكز على توسيع الميناء، وإحداث محطة للقطار فائق السرعة، وإنشاء مطار دولي جديد، وتثمين موقع معركة وادي المخازن وموقع ليكسوس، وتطوير السياحة الروحية بجبل العلم، واستثمار الشواطئ والغابات والأنهار، واستقطاب الاستثمارات الوطنية والدولية.
فالعرائش ليست هامشًا على خريطة المغرب، بل قلبًا نابضًا بالتاريخ، وجسرًا بين القارات، وخزان للثروات، ومنارة للروح والحضارة. وإذا أحسن استثمار هذه المؤهلات، فإنَّ هذا الإقليم قادر على أن يصبح أحد أعظم أقطاب التنمية بالمملكة المغربية الشريفة، وفخرًا للأجيال الحاضرة والقادمة.
بـقـلم: مـحمـد اعبيـدو