مجتمع
الثــقافــة الطـرقـيـــة.. الواجهة المنسية في ورش التحضير لمونديال 2030

مع اقتراب الموعد التاريخي لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، تجد المملكة المغربية نفسها أمام تحدٍ، لا يقتصر فقط على تشييد الملاعب الكبرى وتطوير شبكات النقل، بل يتجاوزه إلى «معركة سلوكية» بطلها المواطن والسائق المغربي على حد سواء.
فالثقافة الطرقية اليوم لم تعد مجرد قوانين جافة تُحفظ في مراكز تعليم السياقة، بل أضحت واجهة حضارية تعكس رقيّ الأمم، وعاملًا حاسمًا في إنجاح الرهان السياحي الضخم الذي تراهن عليه الدولة لتجاوز عتبة 26 مليون سائح في أفق العقد المقبل.
ويرى خبراء السياحة والتنمية أن «تجربة الزائر» تبدأ فعليًّا من لحظة خروجه من بوابة المطار واستقلاله سيارة أجرة أو حافلة نقل سياحي؛ هنا، تصبح الطريق هي المرآة العاكسة لمدى انضباط المجتمع وتشبعه بقيم العصرنة.
فالفوضى المرورية، وعدم احترام حقّ الراجلين في العبور، واستعمال المنبهات بشكل عشوائي ومزعج، كلها «نقاط سوداء» قد تفسد على السائح متعة اكتشاف المآثر التاريخية أو المناظر الطبيعية، وتترك لديه انطباعًا سلبيًّا قد لا تمحوه فخامة الفنادق أو جودة الخدمات الأخرى.
إن الرهان اليوم هو تحويل الشارع المغربي إلى فضاء آمن وسلس، حيث يمثل احترام «ممر الراجلين» وإشارات المرور رسالة للسياح الذين اعتادوا في بلدانهم على نظام طرقي صارم لا يقبل التجاوز، فالتنمية السياحية لا تستقيم مع أرقام «حرب الطرق» التي تستنزف الأرواح والموارد، بل تتطلب بيئة مرورية تشجع على التجول والتدفق البشري بسلام وأمان.
ولا ينكر إلا جاحد أن المغرب حقَّق طفرة نوعية في «اللوجستيك» الطرقي، من خلال توسعة الطرق السيارة وتحديث المدارات الحضرية في المدن المرشحة لاستضافة العرس الكروي. لكن، وكما يؤكد الواقع الميداني أن «العنصر البشري» يظل الحلقة الأضعف في هذه المنظومة.
فالثقافة الطرقية هي «القوة الناعمة» التي تدعم الاستثمارات المليارية في البنية التحتية، ومن هنا يبرز دور التحسيس المدرسي والإعلامي لغرس قيم التسامح الطرقي، والقطع مع عقلية «الأسبقية للأقوى» التي لا تزال تسود بعض شوارعنا، وتعويضها بعقلية «السلامة للجميع» بوصفه واجبًا وطنيًّا قبل أن يكون التزامًا قانونيًّا.
ويُشكّل مونديال 2030 فرصة ذهبية لإحداث «ثورة ثقافية» شاملة في التعامل مع الفضاء الطرقي، فالتنظيم ليس مجرد 90 دقيقة فوق العشب الأخضر، بل هو حركة تنقُّل دؤوبة لملايين المشجعين بين المدن والملاعب والفضاءات العامة.
وهذا التحدي يتطلب تسريع رقمنة المراقبة الطرقية لتقليل التدخل البشري وضمان سيادة القانون، وتكثيف الدورات التكوينية لمهنيي النقل، خاصّةً سائقي سيارات الأجرة والحافلات، باعتبارهم «سفراء» فوق العادة في احتكاكهم اليومي مع الأجانب.
كما يجب تشجيع أنماط النقل النظيف في المراكز السياحية لتقليل الاكتظاظ المروري وحماية الرئة البيئية للمدن التاريخية. إن النجاح في تنظيم المونديال ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة استراتيجية لتحقيق تنمية سياحية واقتصادية مستدامة.
وإذا كانت الملاعب تُبنى بالإسمنت والحديد، فإن صورة المغرب العالمية تُبنى بالوعي الجماعي وبسلوكنا اليومي خلف مقود السيارة. إنها دعوة صريحة للجميع لجعل طرقاتنا مسارات للترحيب والتحضر، لا ساحات للتصادم والارتجالية، لنثبت للعالم أجمع أن «تمغربيت» هي عنوان أصيل للشهامة والانضباط في آن واحد.