ثقافة
التبوريدة الثقافية في الشمال: بـارود في السـمـاء.. وجوع في دار الشباب!

بينما تنشغل طنجة بطلاء واجهاتها وتلميع أرصفتها؛ استعدادًا لاستقبال ضيوف المهرجانات الكبرى، وتتسابق عدسات الكاميرات لتوثيق لحظات «البرستيج» فوق منصات صُرفت عليها الملايين، يجد المواطن الطنجاوي نفسه، في كثير من الأحيان، مجرد «كومبارس» يشاهد العرض من بعيد. إن ما نعيشه اليوم في عروس الشمال يشبه إلى حد بعيد نوعًا من «التبوريدة الثقافية» التي تتقن فن الاستعراض، لكنّها كثيرًا ما تُخطئ موعدها مع الوجدان المحلي؛ حيث تحوَّلت الثقافة من غذاء روحي مشترك إلى سلعةٍ فاخرةٍ تُعرض في الفنادق المُصنّفة والقاعات المغلقة، وكأنَّ الإبداع لا يليق إلا بمن يرتدي ربطة عنق أو يملك بطاقة دعوة تحمل ختم «VIP».
لقد أصبح من المعتاد أن نسمع عن ميزانيات ضخمة تُضخ في مهرجانات السينما والموسيقى التي تُقام في قلب المدينة أو في فضاءات فاخرة مُطلّة على البحر، لكنَّ السؤال الذي يتردد في مقاهي بنديبان وحومة الشوك وبني مكادة والعوامة هو سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: ماذا يربح ابن الحي الشعبي من كل هذا الضجيج الثقافي؟
إن الفجوة الثقافية في طنجة لم تعد مجرد تفاوت في الأذواق أو اختلاف في أنماط الاستهلاك الفني، بل تحوَّلت إلى شرخ اجتماعي واضح. فبينما تستقبل بعض الفضاءات ضيوف العالم وتعيش على إيقاع الكاميرات والسجاد الأحمر، تعيش دور الشباب في الأحياء الهامشية حالةً من العزلة القاتلة، وتتحوَّل المكتبات الوسائطية «إن وُجدت» إلى جدران صامتة تفتقر إلى الحياة والمبادرة، وكأن هناك قرارًا غير مكتوبٍ بأنَّ الثقافة امتياز للمركز، بينما الفوضى والنسيان نصيب الضواحي.
إن حصر الفعل الثقافي فيما يمكن تسميته «المربع الذهبي» للمدينة هو طعنةٌ في قلب الهُوية الطنجاوية نفسها. فطنجة لم تكن في يوم من الأيام مدينة نخبوية مغلقة؛ بل كانت دائمًا فضاءً مفتوحًا للاختلاط والتجريب والتعبير الشعبي. في زمن قريب، كانت الحومة هي المسرح، وكان المقهى هو النادي الأدبي، وكانت الساحات الصغيرة مسارحَ مفتوحةً يلتقي فيها الشعرُ بالموسيقى بالحكاية. أما اليوم فقد سُحب البساط من تحت أقدام الشباب، وأصبح الوصول إلى الفعل الثقافي يمرُّ عبر قنوات رسمية ضيّقة، ترفع شعار التنظيم والاحترافية لكنَّها في الواقع تضيق الخناق على العفوية والابتكار.
أليس من حق شاب يقطن في مرشان الشعبي أو بني مكادة أو مغوغة أن يشاهد عرضًا سينمائيًّا أو مسرحيًّا في ساحة حيه دون أن يضطر إلى قطع كيلومترات أو دفع مبالغ تفوق قدرته؟ ولماذا لا تخرج هذه المهرجانات من قوقعتها لتلتقي بالناس في أماكن عيشهم، بدلًا من الاكتفاء بدعوتهم ليكونوا مجرد حشودٍ تملأ الكراسي في الخلف بينما يحتلّ الصفوف الأولى ضيوف البروتوكول؟
إنّ طنجة التي عرفها العالم مدينة للكتّاب والفنانين والمغامرين لم تُبنِ ثقافتها في القاعات المغلقة وحدها؛ بل في الأزقة والموانئ والمقاهي. هنا مرَّ شعراء وموسيقيون ورسّامون تركوا بصمتهم في الذاكرة الجماعية للمدينة. لكن المفارقة اليوم أن المدينة التي كانت «ذات يومٍ» مختبرًا ثقافيًّا مفتوحًا أصبحت تميل أكثر فأكثر إلى ثقافة المنصة بدل ثقافة القرب.
ولا يمكن الحديث عن هذا الاختلال دون التوقّف عند دور المؤسّسات المنتخبة في توجيه المال العمومي. فميزانية مجلس الجهة «التي تقترب من مليار درهم سنويًّا» من المفترض أن تُشكّل رافعةً حقيقيةً لتنمية ثقافية متوازنة داخل الجهة. غير أن الملاحظ على أرض الواقع، هو أنّ جزءًا مُهمًّا من هذا الجهد المالي يذهب نحو دعم التظاهرات الكبرى والأنشطة الموسمية، بينما تبقى البنية التحتية الثقافية اليومية «خصوصًا في الأحياء الشعبية» تعاني الهشاشة أو الغياب.
فأي معنى لأن تُصرف الملايين على منصات عملاقة وفرق فنية عابرة، بينما تبقى دار الشباب في حي مكتظٍ بالسكان عاجزة حتّى عن توفير معدّات بسيطة للمسرح أو الموسيقى؟ وأي جدوى من مهرجان عالمي يستمر بضعة أيّام إذا كان آلاف الشباب في السواني أو الجيراري لا يجدون فضاءً دائمًا للتعبير عن مواهبهم؟
المشكلة هنا ليست في المهرجانات في حد ذاتها، فالمهرجان يمكن أن يكون لحظة إشعاع حقيقية للمدينة، لكن حين يتحول إلى الركيزة الوحيدة للسياسة الثقافية يصبح مجرد عرض موسمي، أشبه بألعاب نارية تُضيء السماء للحظات قبل أن يعود الظلام إلى الشوارع.
إن دمقرطة الثقافة في طنجة تعني ببساطة إعادة التوازن بين الواجهة والعمق. تعني أن تتحوَّل الميزانيات من منطق ثقافة الحدث إلى منطق ثقافة الحياة اليومية. تعني أن تنتقل العروض السينمائية إلى الساحات العمومية في الأحياء، وأن تتحول دور الشباب إلى مختبرات إبداع حقيقية، وأن تصبح المكتبات فضاءاتٍ حيّةً لا مجرد بنايات صامتة.
فالمدينة التي تبني موانئ عملاقة ومناطق صناعية حديثة مطالبة أيضًا ببناء إنسانها الثقافي. إن الاستثمار في شاب من خندق الورد أو طنجة البالية لا يقل أهمية عن الاستثمار في مشروع اقتصادي كبير. لأن الثقافة «في نهاية المطاف» ليست ترفًا ولا زينة للواجهة، بل هي العمود الفقري لأي مجتمع يريد أن يحافظ على توازنه وهُويته.
طنجة التي نحبها هي تلك التي تتحدَّث لغة أهلها وتفتح أبواب الإبداع للجميع دون تمييز طبقي أو جغرافي. وإذا استمر الوضع على ما عليه، فسنجد أنفسنا أمام مهرجانات تزداد بريقًا عامًا بعد عام، لكنها تفشل في كسب ثقة المواطن البسيط الذي يشعر أن هذه الاحتفالات تُقام في مدينته لكنها لا تُقام من أجله.
لقد حان الوقت لكي تتوقّف «التبوريدة الثقافية» التي لا يسمع دوي بارودها إلا أصحاب الصفوف الأولى. وحان الوقت أيضًا لكي تعود الثقافة إلى مكانها الطبيعي: الشارع، والحي، والساحة، والمدرسة، والمقهى. هناك فقط يمكن أن تولد ثقافة حقيقية تجعل من ابن السواني وبني مكادة والعوامة شريكًا في الحلم، لا مجرد متفرج يقف خلف الحواجز يشاهد أضواء الحفل من بعيد.
بقـلم: نزار الهسكوري