مجتمع
اغتيال «الحق في المدينة»: حين تُباع أرصفة طنجة في «مزاد» العشوائية!

تحت ظلال المآذن التي تعانق سماء طنجة في هذه الليالي الرمضانية المباركة، وبينما ينشد المواطن الطنجاوي قسطًا من السكينة والوقار اللذين يتلوان صلاة التراويح، يصطدم بواقع سريالي يحيل المدينة من حلم متوسطي واعدٍ إلى ركامٍ من الفوضى العارمة التي تجتاح الفضاءات العامة.
إن ما تعيشه طنجة اليوم، انطلاقًا من ثقل «كاساباراطا» التاريخي، وصولًا إلى أزقة «المصلى» الضاربة في القدم، ومرورًا بشرايين «بني مكادة» المختنقة، يتجاوز كونه «ظاهرة عابرة» ليغدو «استيطانًا» للملك العمومي يضرب هيبة الفضاء العام في مقتل.
فمع حلول الشهر الفضيل، نجد الأرصفة منحرفة عن دورها الطبيعي كممراتٍ للراجلين، متحولةً إلى إقطاعيات تجارية يحكمها منطق «وضع اليد»، في مشهد يشي بأنَّ المدينة قد استسلمت طواعية لـ«دكتاتورية الفراشة»، التي لم تعد تُمثّل حاجة اجتماعية هشّة، بل أصبحت منظومةً «ريعيةً» مهيكلة تبتلع حقّ المواطن في المدينة وتغتال جماليتها تحت مسوغات «الظرفية الاجتماعية» الواهية.
إنَّ الصدمة الحقيقية لا تكمن في رؤية بائع يعرض بضاعته، بل في «التأثيرات الانكسارية» المدمّرة التي يخلفها هذا الاحتلال المنظم على حساب النسيج الحضري والسلوك الجماعي؛ فقد أضحى السير في شوارع طنجة خلال هذه الأمسيات الرمضانية نوعًا من الانتحار السيكولوجي والجسدي. لقد سُلِبَ الراجلون أرصفتهم، فدُفعوا قسرا لمزاحمة المركبات في قارعة الطريق، مما يرفع من وتيرة حوادث السير والاحتقان المشحون أصلًا بضغوط الصيام.
هذه الفوضى لا تكتفي بمسخ الهوية البصرية للمدينة، بل تمتد لتُحدث شللًا تامًّا في حركة السير، معيقة وصول مركبات الإسعاف أو شاحنات الإطفاء إلى الأحياء الشعبية المكتظّة، مما يضع أرواح المئات على كفّ «عشوائية» لا تقيم وزنًا لسلامة أو قانون. لقد تحوَّلت فضاءاتنا المشتركة إلى «كانتونات» يسودها قانون الغاب، حيث «الأقوى» هو من يحوز الرصيف، و«الأضعف» هو المواطن الذي يؤدي ضريبة هذه الفوضى من أمنه وسلامته النفسية.
إنَّ التوصيف الدقيق لما يحدث في شوارع طنجة يتجاوز مجرد «عرقلة سير»، ليلامس «تشوهًا سلوكيًّا» ينخر جسد الهُوية المتمدّنة للمدينة؛ فالفضاء العام ليس مجرد أسفلت وأرصفة، بل هو المرآة التي تعكس رقي المجتمع واحترامه للتعايش المشترك. وحين يستبيح «الفراش» الرصيف، فإنَّه لا يضع بضاعته فحسب، بل يضع «مسمارًا» في نعش السلوك المدني، مكرسًا لثقافة «الانتهازية المجالية» التي لا ترى في الشارع إلا غنيمة باردة.
إن هذا المشهد يورث الأجيال الصاعدة قناعة مفادها بأنَّ القانون «وجهة نظر»، وأنَّ القوّة والجرأة على انتهاك حقوق الآخرين هما السبيل الأقصر لتحقيق المكاسب. وبذلك تتحوَّل طنجة من «حاضنة ثقافية» كانت يومًا منارة للمتوسّط، إلى مختبر لإنتاج العشوائية السلوكية التي تصبح، مع مرور الوقت، نمط عيش يصعب تقويمه أو الحدّ من تغوله.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يمارس «اقتصاد الرصيف» حرب إبادة صامتة ضد التجّار النظاميين الذين يرزحون تحت وطأة الجبايات والالتزامات الكرائية، الذين يجدون أنفسهم اليوم «محاصرين» ببضائع تُعرض على عتبات محلاتهم بأسعار تكسر شروط المنافسة الشريفة. هذا الوضع لا يخلق رواجًا حقيقيًّا كما يتوهم البعض، بل يُكرّس «اقتصاد الهشاشة» ويحرم خزينة الجماعة من موارد حيويَّة كفيلة بتجويد حياة الساكنة. إن استغلال قدسية شهر رمضان وروحانيته لتبرير «الاستباحة» الكاملة للساحات، هو تزييف للوعي وتشويه لروح هذا الشهر الفضيل. فبدلًا من أن تغدو شوارع طنجة متنفسًا للتنزه والعبادة، تحوَّلت إلى «مطارح» كبرى للمخلفات، مما يضاعف أعباء عمال النظافة الذين يواجهون «تسونامي» من النفايات وسط اكتظاظ يحول دون مرور شاحنات التجميع.
وعلى صعيد آخر، لا يمكن إعفاء المؤسَّسات المنتخبة والسلطات المحلية من «المسؤولية التقصيرية» في استفحال هذا الورم الحضري؛ فالاكتفاء بلعب دور «المتفرج» أو الاكتفاء بحملات موسمية تتَّسم بـ«الاستعراضية» أكثر من «الناجعة»، مما منح الضوء الأخضر لهذا التمدد العشوائي. إنَّ تدبير الملك العمومي في مدينة بحجم طنجة يتطلب مقاربة شمولية تزاوج بين «الحزم القانوني» وبين «البدائل الاقتصادية» المبتكرة، بعيدًا عن سياسة «إطفاء الحرائق» التي أثبتت فشلها. إن استمرار هذا النزيف يضع مصداقية الشعارات المرفوعة حول «طنجة الذكية» و«طنجة الكبرى» على المحك؛ فلا يمكن الحديث عن «ذكاء ترابي» في مدينة يعجز مواطنوها عن عبور رصيف، ولا عن «إشعاع دولي» في حاضرة تُحاصرها الفوضى من كل جانب.
إنَّ السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه وسط هذا الصخب: مَن المستفيد الحقيقي من استدامة هذا «التحالف الصامت» مع الفوضى؟ إنَّ التذرع بـ«الفقر» ليس سوى مسوغ واهٍ لم يعد يصمد أمام واقع يثبت أن خلف كل «فراش» تقف «لوبيات الظل» التي تحرك الخيوط وتؤجر الأرصفة وكأنها ضيعات خاصة، مستغلةً التراخي في إنفاذ القانون. إنَّ طنجة التي تطمح اليوم لتبوؤ مكانة عالمية في أفق الاستحقاقات الكبرى، لا يمكنها أن تظل رهينة لعقليات تدبيرية تهوى المهادنة على حساب الحق العام.
إن هيبة الدولة تبدأ من صون الرصيف، وكرامة المواطن تتجلَّى في حقّه في تجوال آمن بمدينته. فهل ننتظر وقوع كارثة لا تُحمد عقباها لنعي أن «الفوضى» لا تبني وطنًا؟ رمضان هو شهر الانضباط والارتقاء، وليس موسمًا لاستباحة الفضاءات وتحويل «عروس الشمال» إلى سوق عشوائي يفتقر للملامح والقانون.
بقـلم: نزار الهسكوري