الجهة
أين اختفى منتقدو أشغال القرية الرياضية بطنجة؟ الوالي التازي يُسكت الأصوات الغاضبة
قبل أسابيع فقط، كانت مواقع التواصل الاجتماعي تموج بتعليقات غاضبة وصور تُظهر التأخر الواضح في أشغال «القرية الرياضية» بمنطقة الزياتن بطنجة، غير أن تلك الأصوات -التي كانت تُطالب بتوضيحات حول مصير المشروع- خفتت فجأة، وكأن شيئا لم يكن. فهل أُسكت المنتقدون؟ أم أن تطورات ميدانية جعلتهم يتراجعون عن مواقفهم؟
القرية الرياضية، التي تُعد من أكبر المشاريع المبرمجة في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تعيش منذ أشهر على إيقاع ورش ضخم تتداخل فيه تدخلات عدة جهات، على رأسها ولاية الجهة، ومجلسها الجهوي، ووزارة التجهيز.
المشروع، الذي يُفترض أن يضم ملاعب ومراكز تدريب ومرافق متعددة، رُوّج له منذ البداية على أنه نموذج جديد في البنيات الرياضية التي تواكب رهانات المغرب على تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030.
لكن واقع الأشغال أثار خلال الأشهر الماضية موجة من الانتقادات من طرف جمعيات رياضية، وفاعلين محليين، اعتبروا أن وتيرة العمل بطيئة وأن المشروع لا يرقى إلى مستوى الوعود الرسمية، بعضهم تحدث عن ضعف التنسيق بين المصالح، وآخرون شكَّكوا في مدى احترام معايير الجودة والتصاميم الأصلية، خاصّةً بعد تداول صور تظهر اختلالات في بعض البنيات التحتية.
غير أن الرياح تغيّرت حين دخل والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، يونس التازي، على الخط. فالرجل، الذي عُرف بصرامته في تتبع الأوراش الكبرى، عقد سلسلة اجتماعات ميدانية مع المصالح التقنية والشركات المكلفة، أعطى خلالها تعليمات صارمة بتسريع وتيرة الأشغال وضبط الجودة. مصادر مطلعة، أكَّدت أن الوالي لم يكتفِ بالتوجيهات، بل أجرى زيارات مفاجئة إلى موقع المشروع، في خطوة فُهمت على أنها رسالة واضحة لكل المتهاونين.
النتيجة كانت ملموسة: خلال أسابيع قليلة فقط، تغيّرت صورة الورش بشكل لافت، وتمت تعبئة فرق إضافية وآليات جديدة، وبدأت بعض المرافق تخرج إلى حيز الوجود بوتيرة متسارعة.
بل إن بعض الجمعيات الرياضية التي كانت تنتقد المشروع، عادت لتُشيد بالدينامية الجديدة، معتبرة أن تدخل الوالي أعاد الأمور إلى نصابها.
أحد الفاعلين الجمعويين قال في تصريح لـ«لاديبيش» إن: «الوالي أدار الملف بحزم وحكمة، لكنه في الوقت نفسه وضع الجميع أمام مسؤولياتهم. المنتقدون لا يريدون الاصطدام مع الإدارة، خصوصا في ظل التزام رسمي بإنهاء الأشغال قبل حلول موعد كأس إفريقيا». وأضاف المصدر أن «ما يجري اليوم في الزياتن يختلف كثيرًا عمّا كان يُرى قبل شهرين، حيث تحولت وتيرة العمل إلى سباق ضد الزمن».
من جانب آخر، تعتبر مصادر تقنية أن المشروع يمثل اختبارًا حقيقيًّا لقدرة مدينة طنجة على احتضان منشآت رياضية بمعايير عالمية، بعد أن كانت مشاريع سابقة، مثل بعض ملاعب القرب والمسابح، قد أثارت انتقادات بسبب ضعف الصيانة وسوء التدبير.
ويُجمع المتتبعون، على أن تدخل الوالي التازي لم يكن تقنيا فقط، بل كان له أثرٌ سياسيٌّ وإداريٌّ في فرض الانضباط داخل دواليب المشروع، وإعادة الثقة في الإدارة الترابية التي تقود أكبر أوراش المدينة. فبعد أسابيع من الجدل، خيّم الهدوء على المشهد، وبدأت الأصوات الغاضبة تختفي تباعًا، في وقت تُهيمن فيه لغة التفاؤل والتعبئة.
ومع أن كثيرين يعتبرون ما تحقّق إلى حدود الساعة إيجابيًا، فإن آخرين يرون أن «الصمت ليس دائمًا علامة رضا»، وأن المرحلة المقبلة ستُظهر ما إذا كان الإنجاز في مستوى التطلعات، أم أن الانتقادات ستعود بقوة فور انتهاء الحفلات الرسمية والتقاط الصور التذكارية.
لكن الثابت أن والي الجهة، بصرامته المعتادة، استطاع أن يُعيد الهيبة إلى مشروع كاد يتحوّل إلى مادة للسخرية، وأن يُسكت مؤقتًا منتقدين كانوا قبل أسابيع فقط يملؤون الفضاء الافتراضي بالشكاوى.. فهل يستمر الصمت حتى لحظة التدشين؟ أم أن «القرية الرياضية» ستفتح صفحة جديدة من الجدل حين تُرفع الستارة عن تفاصيلها الكاملة؟


