إقتصاد
أسواق طنجة بعد حريق «أرض الدولة».. خسائر التجار وانتعاش الأسواق البديلة!

لم يكن للحريق الذي دمَّر سوق «أرض الدولة» أن يمر دون أن يترك أثره على الخريطة التجارية لمدينة طنجة.
فمنذ أن التهمت ألسنة اللهب المحلات والبضائع، وجد التجار أنفسهم محاصرين في مساحة مؤقتة خصصتها لهم السلطات المحلية، في انتظار وعود إعادة بناء السوق، بينما انتقل زبائنهم إلى أسواق أخرى بحثا عن البديل، ما خلق مفارقة غريبة: الأسواق الأخرى انتعشت، لكنْ التجّار المتضررون ظلوا عالقين في «المنفى».
السلطات حاولت احتواء الأزمة بسرعة، فنقلت التجار إلى فضاء مُؤقّت بجوار السوق المحترق، لكنها لم توفر لهم الظروف المناسبة لاستعادة نشاطهم التجاري.
المكان الجديد يفتقد للبنية التحتية الأساسية، فلا محلات منظمة، ولا تغطية كافية تحميهم من تقلبات الطقس، والأهم من ذلك، لا زبائن! هؤلاء انتقلوا بشكل تلقائي إلى أسواق أخرى مثل كاسبراطا، درادب، وبني مكادة، حيث وجدوا تنوّعًا في السلع واستقرارًا في العرض، بينما بقي التجار المتضرّرون في انتظار المجهول، وهم يرون تجارتهم تنهار يوما بعد يوم.
«نحن هنا وكأننا في المنفى، بينما زبائننا انتقلوا إلى أماكن أخرى»، هكذا يلخص أحد التجار وضعه بعد الحريق.
لم يقتصر الضرر على فقدان السلع، بل امتدَّ إلى خسارة قاعدة الزبائن التي بنوها على مدار سنوات.. البعض حاول الصمود رغم قلة الإقبال، لكن آخرين باتوا يفكرون جديا في تغيير نشاطهم أو البحث عن أسواق جديدة، وهو أمر غير سهل في ظل ارتفاع تكاليف كراء المحلات التجارية في طنجة.
في المقابل، وجدت الأسواق الأخرى نفسها في موقع المستفيد الأكبر، إذ شهدت تدفقًا غير مسبوق للزبائن الذين كانوا يعتمدون على سوق «أرض الدولة» في تلبية احتياجاتهم اليومية.
سوق كاسبراطا بات أكثر ازدحامًا من أي وقت مضى، فيما عرف سوق درادب انتعاشًا ملحوظًا، أما سوق بني مكادة فقد استقطب عددًا كبيرًا من المتسوقين الذين لم يجدوا بدائل أخرى قريبة.
هذا التحوُّل في الحركة التجارية كان طبيعيًّا، لكنَّه لم يكن في صالح التجّار المحاصرين في الفضاء المؤقت، الذين لم يتمكنوا من الاستفادة من هذه الدينامية الاقتصادية الجديدة.
وعود إعادة بناء السوق لا تزال قائمة، لكن وتيرة الأشغال لم تتضح بعد، ما يثير قلق التجار الذين يخشون أن يتحول «الحل المؤقت» إلى إقامة دائمة، كما حدث في تجارب سابقة. فالتاريخ يشهد أن العديد من الأسواق التي تعرَّضت للحريق أو الهدم في طنجة لم تتم إعادة تأهيلها بالسرعة المطلوبة، مما أدى إلى تضرر التجّار لسنوات طويلة.
اليوم، كل الأنظار متّجهة نحو السلطات المحلية لمعرفة ما إذا كانت ستتحرك بسرعة لإنقاذ هؤلاء التجار، أم أن الوضع سيبقى على حاله، تاركًا مئات الأسر في مواجهة مصير مجهول. المشهد الحالي يعكس خللا في تدبير الأزمات التجارية بالمدينة، حيث يُترك التجار لمصيرهم دون حلول عملية تعيد لهم نشاطهم الاقتصادي في أقرب وقت.
وإذا لم يتم تدارك الأمر، فقد يجد العديد من هؤلاء أنفسهم خارج دائرة التجارة نهائيا، بعد أن التهمت النيران مصدرَ رزقهم، والتهمت البيروقراطية فرصهم في التعافي.